وَمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي الْحَلِفِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَبَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُنْفِقُ الْحُكُومَةَ هُنَاكَ وَلَا يُنْكَرُ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ هُنَاكَ أَغْلَظُ ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ} وَلَمْ يُخَصِّصْهَا بِمَكَانٍ ؛ وَلَكِنَّ الْحَاكِمَ إنْ رَأَى تَغْلِيظَ الْيَمِينِ بِاسْتِحْلَافِهِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ إنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاسْتِحْلَافِ هَذَيْنِ الْوَصِيَّيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْكُفَّارِ يُعَظِّمُونَهُ ، وَوَقْتُ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
فَصْلٌ قَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الدَّلَالَةَ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا قَدْ اقْتَضَتْ جَوَازَ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَجْوَزُ فَقَدْ دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ شَهَادَتِهِمْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ ؛ وَلَمَّا نُسِخَ مِنْهَا جَوَازُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} إلَى قَوْلِهِ: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} نَفَى بِذَلِكَ جَوَازَ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَيْهِمْ ، وَنَسَخَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} وَبَقِيَ حُكْمُ دَلَالَتِهَا فِي جَوَازِهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ.