فالمراد بالقلائد هنا الحيوانات ذوات القلائد التي تساق إلى الحرم لذبحها فيه، فيكون ذكر القلائد بعد الهدى من باب التخصيص بالذكر على سبيل الاهتمام بشأنها، لأن الثواب فيها أكثر.
وقيل المراد بها: ما كان يفعله بعض الناس من وضع قلادة من شعر أو من غيره في أعناقهم عند ما يحرمون حتى لا يتعرض لهم أحد بسوء.
وقوله: وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ معطوف على ما قبله وهو الكعبة.
والمعنى: اقتضت حكمة الله - تعالى - ورحمته بعباده أن يصير الكعبة التي هي البيت الحرام قِياماً لِلنَّاسِ أي به قوامهم في إصلاح أمورهم دينا ودنيا، وكذلك جعل الأشهر الحرم والهدى وخصوصا ما يقلد منه قياما للناس أيضا.
وذلك لأن البيت الحرام الذي يأتى الناس إليه من كل فج عميق، يجدون في رحابه ما يقوى إيمانهم، ويرفع درجاتهم، ويغسل سيئاتهم، ويصلح من شئون دنياهم عن طريق تبادل المنافع، وبذل الأموال، والشعور بالأمان والاطمئنان، وتوثيق الصلات الدينية والدنيوية التي ترضى الله - تعالى - ، وتجعلهم أهلا لفضله ورحمته.
ولأن الأشهر الحرم تأتى للناس فتجعلهم يمتنعون عن القتال فيها، فتهدأ نفوسهم، ويحصل التالف والتزاور بعد التدابر والتقاطع والتعادي ولأن الهدى والقلائد التي يسوقها المحرمون إلى الحرم لذبحها فيها ما فيها من التوسعة على الفقراء. وإشاعة روح المحبة والتسامح والإخاء.
ورحم الله الإمام القرطبي حيث يقول: «والحكمة في جعل الله - تعالى - هذه الأشياء قياما للناس، أن الله - سبحانه - خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسد والتقاطع والسلب
والغارة. فلم يكن بد في الحكمة الإلهية من وازع يزعهم - أي يزجرهم - عن التنازع، ويحملهم على التآلف، ويرد الظالم عن المظلوم، فقد روى مالك أن عثمان بن عفان كان يقول: ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن».
فجعل - سبحانه - الخليفة في الأرض حتى لا يكون الناس فوضى، وعظم في قلوبهم البيت الحرام، وأوقع في نفوسهم هيبته، فكان من لجأ إليه معصوما به، وكان من اضطهد محميا بالكون فيه.