إن ما شرعه الله بيّن. وهو محدد فيما أنزل الله ومبين بما سنه رسوله .. وهذا هو المحك. وهذه هي النقطة التي يفترق فيها طريق الجاهلية وطريق الإسلام. طريق الكفر وطريق الإيمان .. فإما أن يدعى الناس إلى ما أنزل الله بنصه وإلى الرسول ببيانه فيلبوا .. فهم إذن مسلمون. وإما أن يدعوا إلى الله والرسول فيأبوا .. فهم إذن كفار .. ولا خيار ..
وهؤلاء كانوا إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا! فاتبعوا ما شرعه العبيد، وتركوا ما شرعه رب العبيد. ورفضوا نداء التحرر من عبودية العباد للعباد، واختاروا عبودية العقل والضمير، للآباء والأجداد.
ثم يعقب السياق القرآني على موقفهم ذاك تعقيب التعجيب والتأنيب:
{أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون؟} ..
وليس معنى هذا الاستنكار لاتباعهم لآبائهم ولو كانوا لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون، أن لو كان يعلمون شيئاً لجاز لهم اتباعهم وترك ما أنزل الله وترك بيان الرسول! إنما هذا تقرير لواقعهم وواقع آبائهم من قبلهم. فآباؤهم كذلك كانوا يتبعون ما شرعه لهم آباؤهم أو ما شرعوه هم لأنفسهم. ولا يركن أحد إلى شرع نفسه أو شرع أبيه، وبين يديه شرع الله وسنة رسوله، إلا وهو لا يعلم شيئاً ولا يهتدي! وليقل عن نفسه أو ليقل عنه غيره ما يشاء: إنه يعلم وإنه يهتدي. فالله - سبحانه - أصدق وواقع الأمر يشهد .. وما يعدل عن شرع الله إلى شرع الناس إلا ضال جهول! فوق أنه مفتر كفور!
فإذا انتهى من تقرير حال الذين كفروا وقولهم التفت إلى {الذين آمنوا} يقرر لهم انفصالهم وتميزهم؛ ويبين لهم تكاليفهم وواجبهم؛ ويحدد لهم موقفهم ممن سواهم؛ ويكلهم إلى حساب الله وجزائه لا إلى أي مغنم في هذه الأرض أو مأرب. انتهى انتهى. {الظلال حـ 2 صـ 981 - 991}