إن الجاهلية ليست فترة من الزمان ؛ ولكنها حالة ووضع يتكرر - في ِأشكال شتى - على مدار الزمان. فإما ألوهية واحدة تقابلها عبودية شاملة ؛ وتتجمع فيها كل ألوان السلطة ، وتتجه إليها المشاعر والأفكار ، والنوايا والأعمال ، والتنظيمات والأوضاع ، وتتلقى منها القيم والموازين ، والشرائع والقوانين ، والتصورات والتوجيهات.. وإما جاهلية - في صورة من الصور - تتمثل فيها عبودية البشر للبشرأو لغيرهم من خلق الله.. لا ضابط لها ولا حدود. لأن العقل البشري لا يصلح وحده أن يكون ضابطاً موزوناً ما لم ينضبط هو على ميزان العقيدة الصحيحة. فالعقل يتأثر بالهوى كما نشهد في كل حين ؛ ويفقد قدرته على المقاومة في وجه الضغوط المختلفة ما لم يقم إلى جانبة ذلك الضابط الموزون.
وإننا لنشهد اليوم - بعد أربعة عشر قرناً من نزول هذا القرآن بهذا البيان - أنه حيثما انفك رباط القلب البشري بالإله الواحد ، تاه في منحنيات ودروب لا عداد لها ، وخضع لربوبيات شتى ، وفقد حريته وكرامته ومقاومته.. ولقد شهدت في هذا الجانب الخرافي وحده في صعيد مصر وريفها عشرات من الأوهام تطلق لها بعض صنوف الحيوان ، للأولياء والقديسين ، في ذات الصورة التي كانت تطلق بها للآلهة في الزمان القديم!
على أن المسألة في تلك الطقوس الجاهلية - وفي كل جاهلية - هي القاعدة الكلية. هي نقطة الانطلاق في طريق الإسلام أو في طريق الجاهلية. هي.. لمن الحكم في حياة الناس.. لله وحده كما قرر في شريعته؟ أم لغير الله فيما يقرره البشر لأنفسهم من أحكام وأوضاع وشرائع وطقوس وقيم وموازين؟ أو بتعبير آخر: لمن الألوهية على الناس؟ لله أم لخلق من خلقه؟ أياً كان هذا الخلق الذي يزاول حقوق الألوهية على الناس!
ومن ثم يبدأ النص القرآني بتقرير أن الله لم يشرع هذه الطقوس. لم يشرع البحيرة ولا السائبة ولا الوصيلة ولا الحامي.. فمن ذا الذي شرعها إذن لهؤلاء الكفار؟!