هذه تعريفات موجزة من بين الروايات المختلفة ذكرنا هذه الرواية لنقرب معناها، وكان تقديسها أو تكريمها لمعنى الولاد فيها، وأن بعضهم كان ينذرها نذرا لآلهتهم، وبعضهم كان يبيحها للكبراء دون الضعفاء ويحسبون ذلك دينا، وما هو إلا افتراء على الدين، ولذا قال سبحانه:
(وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) أصل الفرى معناه: القطع، والافتراء في القرآن الكذب القاطع، فمعنى افتروا على الله الكذب، قالوا كذبا مقطوعا بأنه كذب، وما ذكر الافتراء إلا مقترنا بالكذب للإشارة إلى أنه كذب مقطوع بأنه كذب، ومعنى النص الكريم: أن الله تعالى لم ينشئ في شرعه شيئا من البحيرة والوصيلة، ولكن الذين كفروا بسبب كفرهم وضلالهم قد قالوا بهتانا فحرموا على أنفسهم ما أحل الله، ونسبوا التحريم بهتانا إلى الله تعالى، وما دفعهم إلى ذلك إلا أوهام مسيطرة على أكثرهم فلا يعملون عقولهم، ولا يفكرون في أمورهم تفكير العقلاء، بل أوهامهم هي المتحكمة فيهم، ولذا ختم سبحانه وتعالى النص بقوله تعالت كلماته (وَأَكثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) .
ومع هذا الضلال المبين لايستجيبون لداعي المرشد الهادي الذي يدعوهم إلى ما أنزل الله، ولذا قال سبحانه:
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ...(104)
ما كان بالنسبة للحلال والأطعمة صورة مما هم عليه من الأوهام، وهي وإن لم تكن في ذاتها أمورا كبيرة تدل على عقل جامد لَا ينفذ إليه الحق السائغ الذي تستقيم عنده العقول، وترتاح إليه، فإن صغائر الأمور تدل على النفوس التي تتردى في كبارها، وأولئك لجمود تفكيرهم وطمس بصائرهم إذا قيل لهم تعالوا، أي تساموا واعلوا بتفكيرهم لتدركوا ما أنزل الله تعالى من قرآن يتلى، وما بين به النبي - صلى الله عليه وسلم - من نيرات واضحات، إذا قيل لهم أعرضوا بجانبهم، تولوا وقالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، وتلك حجة كل ضال مقلد لمن سبقوه وترك كل هداية مرشدة، والامتناع عن الإصغاء إلى الحق.