فَكَذَلِكَ لَمَّا كَانَ الْمَقْصِدُ فِي إخْرَاجِ الْكَفَّارَةِ سَدُّ جَوْعَةِ الْمَسَاكِينِ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ الْوَاحِدِ إذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الْأَيَّامِ وَبَيْنَ الْجَمَاعَةِ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} وَمَعْلُومٌ أَنَّ كِسْوَتَهُمْ عَشَرَةُ أَثْوَابٍ ، فَصَارَ تَقْدِيرُهُ:"أَوْ عَشَرَةُ أَثْوَابٍ"ثُمَّ لَمْ يُخَصِّصْهَا بِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ وَلَا بِجَمَاعَةٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِيَ إعْطَاؤُهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ أَعْطَيْت كِسْوَةَ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِسْكَيْنَا وَاحِدًا ؟ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} يَدُلُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى أَعْدَادِ الْمَسَاكِينِ عَشَرَةٌ ، وَيَدُلُّ أَيْضًا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الطَّعَامِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا ، وَلَا تُجْزِي الْكِسْوَةُ عِنْدَهُمْ إذَا أَعْطَاهَا مِسْكِينًا وَاحِدًا إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ كُلَّ يَوْمٍ ثَوْبًا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا فِي الطَّعَامِ مِنْ تَفْرِيقِهِ فِي الْأَيَّامِ ، وَجَبَ مِثْلُهُ فِي
الْكِسْوَةِ ؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ وَاحِدٌ بَيْنَهُمَا.
وَأَجَازَ أَصْحَابُنَا إعْطَاءَ قِيمَةِ الطَّعَامِ وَالْكُسْوَةِ لِمَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَقْصِدَ فِيهِ حُصُولُ النَّفْعِ لِلْمَسَاكِينِ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْمَالِ وَيَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ النَّفْعِ بِالْقِيمَةِ مِثْلَ حُصُولِهِ بِالطَّعَامِ وَالْكُسْوَةِ.