فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَمَّا ذَكَرَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ لَمْ يَجُزْ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَنْ دُونَهُمْ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} وقَوْله تَعَالَى: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} وَسَائِرُ الْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا دُونَهَا ، كَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَقَلِّ مِنْ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ.
قِيلَ لَهُ: لَمَّا كَانَ الْقَصْدُ فِي ذَلِكَ سَدَّ جَوْعَةِ الْمَسَاكِينِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ حُكْمُ الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ بَعْدَ أَنْ يَتَكَرَّرَ عَلَيْهِمْ الْإِطْعَامُ أَوْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ عَلَى حَسَبِ مَا يَحْصُلُ بِهِ سَدُّ
الْجَوْعَةِ ، فَكَانَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِإِعْطَاءِ الْعَشَرَةِ مَوْجُودًا فِي الْوَاحِدِ عِنْدَ تَكْرَارِ الدَّفْعِ وَالْإِطْعَامِ فِي عَدَدِ الْأَيَّامِ.
وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ إطْلَاقُ اسْمِ إطْعَامِ الْعَشَرَةِ عَلَى وَاحِدٍ بِتَكْرَارِ الدَّفْعِ ؛ إذْ كَانَ الْمَقْصِدُ فِيهِ تَكْرَارَ الدَّفْعِ لَا تَكْرَارَ الْمَسَاكِينِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّةِ} وَهُوَ هِلَالٌ وَاحِدٌ ، فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الْجَمْعِ لِتَكْرَارِ الرُّؤْيَةِ فِي الشُّهُورِ.
وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، وَلَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ أَجْزَأَهُ.
وَكَذَلِكَ أَمَرَ بِرَمْيِ الْجِمَارِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، وَلَوْ رَمَى بِحَصَاةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ فِيهِ حُصُولُ الرَّمْيِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَالْمَقْصِدَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ حُصُولُ الْمَسَحَاتِ دُونَ عَدَدِ الْأَحْجَارِ.