إن الجاهلية بكل ما فيها من أحزاب الكفر لا ترضى عن الإسلام أن يكون له كيان مستقل ... ولا تطيق أن يكون له وجود تراه .. وهي لا تسالم الإسلام حتى لو سالمها .. فكما لا يجتمع النور والظلام كذلك لا يجتمع الحق والباطل في مكان، لأن الإسلام إذا تميز بدولة ورجال ونظام أخافها، وهذا ما لا تطيقه الجاهلية، لذلك لا يطلب الكفار من الرسل مجرد أن يكفوا عن دعوتهم فحسب، بل يطالبون منهم أن يعودوا في ملتهم، وأن يندمجوا في المجتمع الجاهلي معهم، وأن يذوبوا فيه، فلا يكون لهم كيان مستقل، وهذا ما تأباه طبيعة هذا الدين لأهله، وما يرفضه الرسل ويأبونه، فما ينبغي للمسلم أن يعود إلى الظلام بعد النور الذي أكرمه الله به كما قال سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) } ... [إبراهيم: 13 - 14] .
وهذا دأب الطاغوت إذا أحس بهزيمته أمام العقيدة خرج شاهراً سيفه بالقوة المادية الغليظة، وعندما تسفر القوة المادية الغاشمة عن وجهها الصلد لا يبقى مجال لدعوة، ولا مجال لحجة.
ولا يسلم الله الرسل وأتباعهم إلى الجاهلية، فالتجمع الجاهلي لا يسمح لعنصر مسلم أن يعمل من داخله، إلا أن يكون عمل المسلم وجهده لحساب التجمع الجاهلي، ولتوطيد جاهليته.
والذين يخيل إليهم أنهم قادرون على العمل لدينهم من خلال التسرب في المجتمع الجاهلي، والتميع في تشكيلاته وأجهزته، هم ناس يجهلون أن كل فرد في المجتمع يعمل لحساب هذا المجتمع الشاذ.