{وصدّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين} [التحريم: 12] أي من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وهم المجتهدون في إقامة مراسم العبودية . ففيه تكذيب للنصارى المفرطين فيها إذ جعلوها إلهاً ، وفيه تكذيب لليهود المفرّطين في شأنها حيث نسبوها إلى الهنات ، وإلى الكذب في أن عيسى خلق من غير أب . وفيه أن من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن فكان مخلوقاً لا إلهاً . ثم أكد حدوثهما وعجزهما بقوله {كانا يأكلان الطعام} فإن المحتاج إلى الاغتذاء سيحتاج إلى ما يتبعه من الهضم والنفض ، وكل هذه الافتقارات دليل ظاهر وبرهان باهر على حدوثهما وأفولهما في حيز الإمكان . ثم عجب من غاية غوايتهم {انظر} يا محمد أو كل من له أهلية النظر {كيف نبين لهم الآيات} الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم . والعامل في {كيف} قوله {نبين} ومفعول {انظر} مجموع الجملة بل مضمونها أي تبصر هذه الحالة وتفكر فيها ومثله {ثم انظر أنى يؤفكون} كيف يصرفون عن الحق . أفكه بالفتح يأفكه بالكسر أفكاً بالفتح والسكون صرفه عن الشيء . ومنه الإفك بالكسر للكذب لأنه مصروف عن الحق ، وأرض مأفوكة صرف عنها المطر . ومعنى"ثم"التراخي والبون بين العجبين أي بينا لهم الآيات بياناً عجيباً ولكن إعراضهم عنها أعجب ، ثم الصارف عن تأمل الحق هو الله أو العبد فيه خلاف مشهور بين الأشاعرة والمعتزلة ، وأنت قد عرفت التحقيق في ذلك مراراً . ثم أقام حجة أخرى على فساد قول النصارى فقال {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك} أي شيئاً لا يستطيع أو الذي لا يقدر على مثل ما يضركم به الله من البليات والمصائب أو ينفعكم به من الصحة والخصب بواسطة أو بغير واسطة بل لم يملك شيئاً من ذلك لنفسه ، فإن اليهود كانوا يقصدونه بالسوء ولم يقدر على دفعهم . ومن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه ومزقوا أضلاعه ولما عطش وطلب الماء صبوا الخل في منخريه وكان عليه السلام مصروف الهمة إلى عبادة