قال الجمل: والفاء في قوله فَتَرَى إما للسببية المحضة: أي: بسبب أن الله لا يهدى القوم الظالمين المتصفين بما ذكر فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ وإما للعطف على قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ من حيث المعنى.
والرؤية في قوله فَتَرَى. بصرية، فتكون جملة يسارعون حال. وقيل علمية فتكون جملة يسارعون مفعولا ثانيا. والأول أنسب بظهور نفاقهم.
وقوله: يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ حال من ضمير يسارعون.
والتعبير بقوله: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ تعبير قوى رائع، وصف القرآن به المنافقين وأشباههم في الكفر والضلال في مواطن كثيرة، لأنه لما كانت قوة القلب تضرب مثلا للثبات والتماسك.
كان ضعف القلب الذي عبر عنه بالمرض يضرب مثلا للخور، والتردد والتزلزل، وانهيار النفس.
وهذه طبيعة المنافقين ومن على شاكلتهم في كل زمان ومكان. إنهم لا يمكن أن يكونوا صرحاء في انحيازهم إلى ناحية معينة. وإنما هم يترددون بين الناحيتين، ويلتمسون الحظوة في الجانبين - فهم كما يقال: يصلون خلف على ويأكلون على مائدة معاوية - وأبلغ من كل ذلك وصف الله لهم بقوله: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ.
والتعبير بقوله - سبحانه - ترى .. تصوير للحال الواقعة منهم بأنها كالمرئية المكشوفة التي لا تخفى على العقلاء البصراء.
وفي ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتحذير له ولأصحابه من مكر أولئك الذين في قلوبهم مرض.
والتعبير بقوله: يُسارِعُونَ فِيهِمْ يشير إلى أنهم لا يدخلون ابتداء في صفوف الأعداء «وإنما هم منغمرون فيهم دائما» ولا يخرجون عن دائرتهم بل ينتقلون في صفوفهم بسرعة ونشاط من دركة إلى دركة، ومن إثم إلى آثام.
وقوله - تعالى - حكاية عنهم: يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ بيان لما اعتذروا به من معاذير كاذبة تدل على سقوط همتهم، وقلة ثقتهم بما وعد الله به المؤمنين من حسن العاقبة.