ولذلك لا يصح أن يكون"إبليس"محل خلاف أهو من الملائكة أم لا! فهو ليس من الملائكة . وفي القرآن نص صريح يثبت جنسية إبليس . وهو من الجن . وكان من المختارين ، له أن يطيع أو أن يعصي . لأن الجن داخلون في قانون الاختيار . فإن ألزم الجنّي نفسه بمنهج الله إلزاماً يتساوى به مع الملائكة وجب عليه أن يقوم بذلك . ولكنه لم يفعل . وكان من الواجب أن يطيع إبليس الأمر . وما دام الحق هو الذي أمر بالسجود ، فالأدنى وهو إبليس كان عليه أن يسجد ؛ لأن المراتب محفوظة كما نعلم ، فرئيس الجمهورية عندما يدخل على الوزراء فهم يطيعون أمره ، وإن كان يجلس مع الوزراء بعض وكلاء الوزارات فهم يطيعون أوامره ؛ ذلك أنهم يدخلون في الأمر من باب أولى . ولو كان إبليس أعلى من الملائكة لكان أولى له أن يستجيب لأمر الخالق الأعلى ولا يعصى ويتأبى ، أما وإنّه كان أقل من الملائكة فكان لا بد من باب أولى - أن ينصاع لأمر الله . لكن إبليس علل أمر عدم السجود ، فقال: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12]
وفي آية أخرى قال سبحانه: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} [الإسراء: 61]
وحين يتأبّى كائن على الحكم ، أيتأبّى على الحكم الأصم ، أي على الحكم من حيث هو حكم دون النظر إلى الحاكم ، أم على مَن حكم بالحكم وهو الأعلى سبحانه؟ . تأبى إبليس على من حكم بالحكم ، ولذلك طرده الحق من الجنة وصار ملعوناً . لكن آدم عصى ربه وقرب من الشجرة التي نهاه الله عنها . ومن رحمة الله تعالى أنه جعل في التكليفات مقدمات تنطبق على حالة المكلف نفسه ، فلم يقل الحق لآدم: لا تأكل من الشجرة . ولكنه قال: {وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة} [البقرة: 35]