وقد استحفظ الله الربانيين والأحبار بالتوراة ، أي طلب منهم أن يحفظوها ، وكان هذا أمراً تكليفياً ، والأمر التكليفي عُرضة لأن يُطاع وعُرضة لأن يُعصى . واستحفظهم الله التوراة والإنجيل: {فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} [المائدة: 14]
وصار أمر المنهج منسياً . وليس على بالهم كثيراً ؛ لأن الأمر إذا توارد على البال واستقر دائما في بؤرة الشعور يظل في الذهن ، لكن النسيان يأتي عندما يكون الأمر بعيداً عن البال .
والحق طلب منهم أن يحفظوا المنهج ، ولكنهم - ما عدا النبيين - لم ينفذوا ، وكل أمر تكليفي يدخل في دائرة الاختيار ، ولذلك نجد أن الأحبار والربانيين قد نسوا ، وما لم ينسوه كتموه . وأول مرحلة من مراحل عدم الحفظ أنهم نسوا ، والمرحلة الثانية هي كتمان ما لم ينسوه ، والثالثة هي: ما لم يكتموه حرَّفوه ولووا به ألسنتهم . وياليتهم اقتصروا على هذه المراحل فقط ، ولكنهم جاءوا بأشياء وقالوا: هي من عند الله وهي ليست من عند الله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ الله} [البقرة: 79]
إذن فالحفظ منهم لم يتم ؛ لذلك لم يدع الله القرآن للحفظ بطريق التكليف ؛ لأنه سبحانه اختبر البشر من قبل ، ولأنه أراد القرآن معجزة باقية ؛ لذلك لم يكل الله سبحانه أمر حفظه إلى الخلق ، ولكنه تكفل - سبحانه - بأمر حفظ القرآن: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]
ومصداق هذا النص ، أن بعضاً من المسلمين أسرفوا على أنفسهم في هجر منهج الإسلام ومنهج القرآن إلا أنك تجد عجباً ، فبمقدار بُعدهم عن منهج الإسلام تطبيقاً يحافظون على القرآن تحقيقاً ، فيكتبون القرآن بكل ألوان الكتابة وبكافة الأحجام ، فهناك حجم ذهبي ترتديه النساء في صدورهن ، وحجم يوضع في اليد ، وبعد ذلك نجد الكفرة أنفسهم يخترعون طريقة لكتابة القرآن في صفحة واحدة .