وحتى نتبر ما يُعْلُونه - أي نجعله خرابا - لابد أن تمر مدة ليعلوا في البينان .
وعلينا أن نعد أنفسنا لتكون عباداً لله لنعيش وعد الآخرة وقد جعلها الله وعدا تشريعياً ، فإذا عدنا عباداً لله فسندخل المسجد ونتبر ما علوا تتبيرا ، والحق سبحانه وتعالى في آيات سورة المائدة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يأتي بلقطة عن بلاغه لسيدنا موسى بعد خروجه مع قومه من مصر ، فقال: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 21]
وقلنا إن الكتابة هنا تشريعية وليست كونية ، فلو كان الأمر كونياً لدخلوا الأرض المقدسة بدون عقبات وبدون صراع وبدون قتال .
والدليل على أن الكتابة تشريعية هو قوله الحق: {وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} أي أنكم إن ارتددتم على أدباركم انقلبتم خاسرين . فإن أطعتم الله ودخلتم الأرض دون إدبار ، فستدخلون الأرض ، وإن لم تفعلوا فلن تدخلوها . إذن ليست كتابة الأرض هنا كونية ، ولكنها تشريعية .
وقوله الحق: {وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ} يشرح لنا طبيعة مواجهة الخصم ؛ فالإنسان حين يواجه خصمه فهو يواجهه بوجهه . فإن فرّ الخصم من أمامه فهو يولي أدباره . والتولي على الأدبار يكون على لونين: لون هو الإدبار من أجل أن ينحرف الإنسان إلى جماعة وفئة لتشتد قوتهم ويقووا على هزيمة العدو أو يصنع مكيدة ؛ ليعيد مواجهة الخصم ، ولون آخر وهو الفرار وذلك مذموم ، ومن المعاصي الموبقات المهلكات . وفي ذلك يقول الحق سبحانه: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله} [الأنفال: 16]