وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى اللَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {لَأُكَفِّرَنَّ} فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: اللَّامُ الْأُولَى عَلَى مَعْنَى الْقَسَمِ , يَعْنِي اللَّامَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ} قَالَ:"وَالثَّانِيَةُ مَعْنَى قَسَمٍ آخَرَ"
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: بَلِ اللَّامُ الْأُولَى وَقَعَتْ مَوْقِعَ الْيَمِينِ , فَاكْتَفَى بِهَا عَنِ الْيَمِينِ , يَعْنِي بِاللَّامِ الْأُولَى: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ. قَالَ: وَاللَّامُ الثَّانِيَةُ , يَعْنِي قَوْلَهُ: {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} جَوَابٌ لَهَا , يَعْنِي لِلَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ} وَاعْتَلَّ لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ} غَيْرُ تَامٍّ وَلَا مُسْتَغْنٍ عَنْ قَوْلِهِ: {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} قَسَمًا مُبْتَدَأً , بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلْيَمِينِ إِذْ كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَغْنِيَةٍ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}
يَقُولُ: «يَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِ هَذِهِ الْبَسَاتِينَ الَّتِي أَدْخَلَكَمُوهَا الْأَنْهَارُ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}
يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: فَمَنْ جَحَدَ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَيْئًا مِمَّا أَمَرْتُهُ بِهِ , فَتَرَكَهُ , أَوْ رَكِبَ مَا نَهَيْتُهُ عَنْهُ فَعَمِلَهُ بَعْدَ أَخْذِي الْمِيثَاقَ عَلَيْهِ بِالْوَفَاءِ لِي بِطَاعَتِي وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِي {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}
يَقُولُ:"فَقَدْ أَخْطَأَ قَصْدَ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ , وَزَلَّ عَنْ مَنْهَجِ السَّبِيلِ الْقَاصِدِ. وَالضَّلَالُ: الرُّكُوبُ عَلَى غَيْرِ هُدًى؛ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَاهِدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ."
وَقَوْلُهُ: {سَوَاءَ}
يَعْنِي بِهِ: وَسَطَ السَّبِيلِ , وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ , فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.