وهنا قال الرسل: {قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} [يس: 16]
فما الفرق بين {إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} وبين {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} ؟ . إن الأَخْبار دائماً تُلقى من المتكلم للسامع لتعطيه خبراً ، فإن كان السامع خالي الذهن من الخبر ، أُلقي إليه الكلام بدون تأكيد . وأما إن كان عنده شبه إنكار ، ألقى إليه الكلام بتأكيد على قدر إنكاره . فإن زاد في لجاج الإنكار يزيد له التأكيد . فأصحاب القرية أرسل الله إليهم اثنين فكذبوهما ، فعززهما بثالث ، وهذا تعزيز رسالي ، فبعد أن كانا رسولين زادهما الله ثالثاً ، وقال الثلاثة: {إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} [يس: 14]
صحيح ثمة تأكيد هنا . لأن الجملة إسمية ، وسبقتها"إنّ"المؤكذة ؛ فلما كذبوهم وقالوا لهم: {مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرحمن مِن شَيْءٍ} وكان هذا لجاجاً منهم من الإنكار فماذا يكون موقف الرسل؟ أيقولون: {إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} كما قيل أولاً؟ . لا . إن الإنكار هنا ممعن في اللجاجة والشدة ، فيأتي الحق بتأكيد أقوى على ألسنة الرسل:
{رَبُّنَا يَعْلَمُ} .
وذلك القول في حكم القسم ؛ هذا هو التأكيد الأول ، والتأكيد الثاني:
{إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} .
وكما نعلم ف"إن"هنا مؤكِدّة ، واللام التي في أول قوله:"لمرسلون"لزيادة التأكيد .
وحين تأتي كلمة تدور على معانٍ متعددة ، فالمعنى الجامع هو المعنى الأصلي ، وكذلك كلمة"فترة"، فالفترة هي الانقطاع . فإن قلت مثلاً: ماء فاتر ، أي ماء انقطعت برودته ، فالماء مشروط فيه البرودة حتى يروي العطش . وعندما يقال: ماء فاتر أي ماء فتر عن برودته ، ولذلك يكون قولنا:"ماء فاتر"أي ماء دافئ قليلاً ؛ أي ماء انقطعت عنه البرودة المرغبة فيه .