هذه الجملة السامية مع إبطالها لزعمهم في مقام الحال من الجملة السابقة، فهي مؤيدة لمعنى القدرة على الإبقاء والإهلاك والإحياء، ورادة على زعمهم أن عيسى خلق من غير أب، فيكون ابنا لله، تعالى الله عند ذلك. والمعنى أن لله سبحانه وتعالى الملكية التامة للتصرف في السماوات بطبقاتها المختلفة، والنجوم ومداراتها وما بين السماء والأرض من فضاء تجري فيه السحب بأمره، ويطير فيه الطير، ويسبح فيه، ثم ما يصنعه الإنسان من طائرات تقطع أجواء الفضاء، كل ذلك مملوك ملكية تامة لله تعالى، ولا توجد ملكية تامة في شيء من الأشياء إلا لله سبحانه وتعالى، فكل مالك من الناس ملكيته نسبية، وليست تامة أو مطلقة، بل هي مقيدة.
وإرادته سبحانه وتعالى مطلقة في خلق الأشياء؛ ولذلك قال تعالى: (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) . وهذه الجملة في مقام الثمرة والنتيجة لما قبلها من قدرة مطلقة لَا حد لها، ومن ملكية مطلقة لَا قيد يقيدها، فهو يخلق ما يشاء ويريد، فيخلق ذكرا أو أنثى فهو يجعل لهذا ذكرانا، ولهذا إناثا، ويجعل من يشاء عقيما، ولا قيد يقيد إرادته، في طريقة الخلق والتكوين، فيخلق الناس من أب وأم، ويخلق آدم من غير أب ولا أم، ويخلق عيسى من أم، ومن غير أب. . وهكذا.
(وَاللَّه عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) هو قادر على كل شيء في هذا الوجود، يفعل به ما شاء، يفنيه ويبقيه على ما يشاء، وقد وجد كل شيء بالقدرة والإرادة، لا بالعلية والسببية، فلا يقال: إن الأب سبب للابن، فإن وجد له من غير أب فالله سبحانه أبوه، لَا يقال ذلك؛ لأن الله تعالى لَا يتقيد بالأسباب، فهو خالق الأسباب وخالق المسببات وخالق نواميس الكون، وكل ما فيه، وهو القاهر فوف عباده، فهو خالق عيسى وليس أباه، وإن النصارى واليهود مع أنهم يخطئون في جنب الله، ولا ينزهونه كمال التنزيه، ولا يطيعونه يزعمون أنهم أبناء الله تعالى وأحباؤه؛ ولذا قال سبحانه:
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ...(18)