{أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) } [آل عمران: 83] .
وبذلك يستشعر القلب حقيقة العبودية، ويذوق طعمها، ويتلذذ بها، في استسلام الواثق المطمئن، الذي يستشعر أن كل ما حوله من الكائنات والبشر يشاركه ويتجاوب معه في طاعة الرب وعبادته.
إن الذي يحرك العبد لعبادة ربه وتوحيده ليس فقط البرهان العقلي الذي يدل على استسلام الكائنات لربها في طواعية ويسر، بل هناك مذاق آخر.
مذاق المشاركة مع كافة المخلوقات في السماء والأرض في الطاعة.
ومذاق الطمأنينة للقلب هذا الرب العظيم الكريم.
ومذاق الانسياق مع موكب الإيمان الشامل بالمحبة والشوق.
إنه مذاق العبودية الراضية .. التي لا يسوقها القسر .. ولا يحركها القهر.
إنما تحركها قبل الأمر والتكليف عاطفة الود والطمأنينة، والانسجام مع الكون كله في طاعة الرب، فلا تفكر في التهرب من الأمر، لأنها إنما تلبي حاجتها الفطرية في الاستسلام للرب الكريم، الذي بيده كل شيء، وتقف بين يديه، ولا تتجه لأحد سواه.
هذا الاستسلام الشامل لرب العالمين هو الذي يمثل معنى الإيمان، ويعطيه طعمه وحلاوته.
وهذه العبودية هي التي تحقق معنى الإسلام.
وهذا ما يجب أن يستقر في القلب قبل التكليف والأمر .. وقبل الشعائر والشرائع .. إنه معرفة المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله .. والانسجام مع الكائنات في التلذذ بعبادته وطاعته .. فكلها ساجدة لربها .. خاضعة لعظمته .. مستكينة لعزته .. مطيعة لأمره .. لأنه الرب المعبود .. والملك المحمود.
فمن عدل عن عبادته إلى عبادة ما سواه، فقد أهان نفسه، وضل ضلالاً بعيداً، وخسر خسراناً مبيناً: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18) } [الحج: 18] .