بل الإيمان وراء ذلك كله، وهو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - علماً، والتصديق به عقداً، والإقرار به نطقاً، والانقياد لله محبةً وخضوعاً، والعمل بشرعه باطناً وظاهراً، والدعوة إليه، وعدم الالتفات إلى ما سواه.
هذا أساس الإيمان، وكماله في الحب في الله، والبغض في الله، والعطاء لله، والمنع لله، وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده.
والطريق إليه تجريد متابعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ظاهراً وباطناً، وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى ماسوى الله.
وموانع الإيمان أربعة:
الكبر .. والحسد .. والغضب .. والشهوة.
فالكبر يمنع الإنسان من الانقياد لله ورسوله.
والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلها.
والغضب يمنعه العدل والتواضع.
والشهوة تمنعه التفرغ للعبادة.
وهذه هي أركان الكفر.
فإذا انهدم ركن الكبر سهل عليه الانقياد للحق.
وإذا انهدم ركن الحسد سهل عليه قبول النصح وبذله.
وإذا انهدم ركن الغضب سهل عليه العدل والتواضع.
وإذا انهدم ركن الشهوة سهل عليه الصبر والعفاف وتقديم أوامر الله.
وجميع الآفات التي تحصل للبشرية متولدة من هذه الأربعة، وإذا استحكمت في القلب أرته الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل، والمعروف في صورة المنكر، والمنكر في صورة المعروف.
وإذا تأمل الإنسان كفر الأمم السابقة رآه ناشئاً منها، وعليها يقع العذاب، وتكون خفته وشدته بحسب خفتها وشدتها.
فمن فتحها على نفسه فقد فتح عليه أبواب الشرور.
ومن أغلقها عن نفسه فقد أغلق عنه أبواب الشرور.
ومنشأ هذه الأربعة من أمرين:
أحدهما: جهل العبد بربه .. والثاني: جهل العبد بنفسه.
فالإنسان لو عرف ربه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وعرف عظمته وجلاله، وآلاءه وإنعامه، وعرف نفسه بالنقائص والآفات، لم يتكبر ولم يغضب لها، ولم يحسد أحداً على ما آتاه الله من فضله.
فالحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله، فإن الحاسد يكره نعمة الله على عبده، وقد أحبها الله له، ويحب زوالها عنه، والله يكره ذلك، فهو مضاد لله في قضائه ومحبته وكرامته.
ومن أجل هذا كان إبليس عدو الله حقيقة، لأن ذنبه كان عن كبر وحسد.