وأما في حق العباد فالعدالة مقدمة على الشهادة تقدم الشرط على المشروط فاعلم {إن يكن} المشهود عليه {غنياً أو فقيراً} فلا تكتموا الشهادة طلباً لرضا الغني أو ترحماً على الفقير {فالله أولى} بأمورهما ومصالحهما . وكان حق النسق أن لو قيل فالله أولى به أي بأحد هذين إلاّ أنه ثنى الضمير ليعود إلى الجنسين كأنه قيل: فالله أولى بجنسي الفقير والغني أي بالأغنياء والفقراء يريد بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما ولولا أنّ الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها . قال السدي: اختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم غني وفقر وكان ميله إلى الفقير رأى أنّ الفقير لا يظلم الغني فأبى الله إلاّ أن يقوم بالقسط في الغني والفقير وأنزل الآية . وقوله: {أن تعدلوا} يحتمل أن يكون من العدل أو من العدول فكأنه قيل: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس ، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق . واحتمال آخر وهو أن يراد اتركوا الهوى لأجل أن تعدلوا أي حتى تتصفوا بصفة العدالة لأنّ العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى . ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر {وأن تلووا} بواوين من لوى يلوي إذا فتل ، وبواو واحدة من الولاية والمعنى وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق وحكومة العدل {أو تعرضوا} عن الشهادة بما عندكم أو إن وليتم إقامة الشهادة أو تركتموها . واعلم أن الإنسان لا يكون قائماً بالقسط إلاّ إذا كان راسخ القدم في الإيمان فلهذا أردف ما ذكر بقوله: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا} وظاهر مشعر بالأمر بتحصيل الحاصل . فالمفسرون ذكروا فيه وجوهاً الأول: {يا أيها الذين آمنوا} في الماضي والحاضر {آمنوا} في المستقبل أي دوموا على الإيمان واثبتوا . الثاني: {يا أيها الذين آمنوا} تقليداً {آمنوا} استدلالاً . الثالث: {يا أيها الذين آمنوا} استدلالاً إجمالياً {آمنوا} استدلالاً تفصيلياً . الرابع: {يا أيها الذين آمنوا} بالله وملائكته وكتبه