عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ} فَانْقَطَعَ الْكَلَامُ , وَقَوْلُهُ: {إِلَّا قَلِيلًا} فَهُوَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ يُخْبِرُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ قَالَ: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} إِلَّا قَلِيلًا , يَعْنِي بِالْقَلِيلِ الْمُؤْمِنِينَ , يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ عَدْلًا قَيِّمًا , وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا""
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الْآيَةُ مُقَدِّمَةٌ وَمُؤَخِّرَةٌ , إِنَّمَا هِيَ: «أَذَاعُوا بِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ , وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَمْ يَنْجُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: {لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ} وَقَالُوا: الَّذِينَ اسْتُثْنَوْا هُمْ قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا هَمُّوا بِمَا كَانَ الْآخَرُونَ هَمُّوا بِهِ مِنِ اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ , فَعَرَّفَ اللَّهُ الَّذِينَ أَنْقَذَهُمْ مِنْ ذَلِكَ مَوْقِعَ نِعْمَتِهِ مِنْهُمْ , وَاسْتَثْنَى الْآخَرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ مَا كَانَ مِنَ الْآخَرِينَ.
[وعن] الضَّحَّاك فِي قَوْلِهِ: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} قَالَ: «هُمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَانُوا حَدَّثُوا أَنْفُسَهُمْ بِأُمُورٍ مِنْ أُمُورِ الشَّيْطَانِ , إِلَّا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ»
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ جَمِيعًا. قَالُوا: وَقَوْلُهُ: {إِلَّا قَلِيلًا} خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي اللَّفْظِ , وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْجَمِيعِ وَالْإِحَاطَةِ , وَأَنَّهُ لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَرَحْمَتُهُ لَمْ يَنْجُ أَحَدٌ مِنَ الضَّلَالَةِ , فَجَعَلَ قَوْلَهُ: {إِلَّا قَلِيلًا} دَلِيلًا عَلَى الْإِحَاطَةِ.
وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الطِّرِمَّاحِ بْنِ حَكِيمٍ فِي مَدْحِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ:
[البحر الطويل]
أَشُمَّ كَثِيرُ يَدِيِّ النَّوَالِ ... قَلِيلُ الْمَثَالِبِ وَالْقَادِحَةِ