وقُرئ: (تَسَاءَلُونَ) بطَرْحِ التاءِ الثانية، أي: يَسألُ بعضُكم بعضًا باللَّهِ وبالرَّحِم، فيقول: باللَّهِ وبالرَّحم أفعَل كذا على سبيلِ الاستعطاف، وأُناشِدُك اللَّهَ والرَّحم؛
[قوله] : (( تَسَاءَلُونَ ) )، قرأ الكوفيون: بتخفيف السين، والباقون: بتشديدها، قال الزجاج:"أصله تتساءلون، فحذفت التاء الثانية تخفيفاً؛ لأن اجتماع التاءين مستثقل، والكلام غير ملبس".
قوله: (على سبيل الاستعطاف) ، قال ابن الحاجب: القسم جملة إنشائية تؤكد بها جملة أخرى؛ فإن كانت خبرية فهو القسم لغير الاستعطاف، وإن كانت طلبية فهو للاستعطاف.
وقال المصنف في قوله تعالى: (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ) [القصص: 17] :" (بِمَا أَنْعَمْتَ) : يجوز أن يكون قسماً، أي أقسم بإنعامك علي، وأن يكون استعطافاً، أي: رب اعصمني بحق ما أنعمت علي".
وقلت: فالاستعطاف يستفاد من اللفظ الذي يشعر بالعطف والحنو، ومعنى الاستعطاف ها هنا مأخوذ من لفظ (الله) و (الرحم) ، فإن القرابة موجبة للتعطف والرأفة؛ يؤيد هذا التأويل قوله بعد هذا:"واتقوا الله الذي تتعاطفون بإذكاره وبإذكار الرحم".
قوله: (وأناشدك الله والرحم) ، يقال: نشدتك الله والرحم نشدة، وناشدتك الله، أي: سألتك بالله والرحم، وتعديه إلى المفعولين؛ إما لأنه بمنزلة: دعوت، حيث قالوا: نشدتك بالله والله كما قالوا: دعوته بزيد وزيداً، أو لأنهم ضمنوه معنى: ذكرت، ومصداق هذا قول حسان:
نشدت بني النجار أفعال والدي ... إذا العان لم يوجد له من يوازعه