الأمثل / الجزء الثامن عشر / صفحة - 528
برعاية الله سبحانه وإمداده ، إلا أن ذلك كان اقترانا بعوامل عديدة أيضا ، ولعل أحد
أهم هذه العوامل هو: سمو الأخلاق عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وجاذبيته الشخصية ، إن
أخلاقيته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كانت من العلو والصفات الإنسانية السامية لدرجة أن ألد أعدائه
كان يقع تحت تأثيرها كما أن مكارم الأخلاق التي أودعت فيه كانت تجذب
وتشد المحبين والمريدين إليه بصورة عجيبة .
وإذا ما ذهبنا إلى القول بأن السمو الأخلاقي لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان معجزة
أخلاقية ، فإننا لا نبالغ في ذلك ، كما سنوضح لذلك نموذجا من هذا الإعجاز
الأخلاقي . . ففي فتح مكة وعندما استسلم المشركون أمام الإرادة الإسلامية ،
ورغم كل حربهم للإسلام والمسلمين وشخص الرسول الكريم بالذات ، وبعد
تماديهم اللئيم وكل ممارساتهم الإجرامية ضد الدعوة الإلهية . . بعد كل هذا الذي
فعلوه ، فإن رسول الإنسانية أصدر أمرا بالعفو العام عنهم جميعا ، وغض الطرف
عن جميع الجرائم التي صدرت منهم ، وكان هذا مفاجأة للمقربين والبعيدين ،
الأصدقاء والأعداء ، وكان سببا في دخولهم في دين الله أفواجا ، بمصداق قوله
تعالى: ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا .
لقد وردت في كتب التفسير والتاريخ قصص كثيرة حول حسن خلق الرسول
الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في عفوه وتجاوزه وعطفه ورأفته ، وتضحيته وإيثاره وتقواه . . . بحيث
أن ذكرها جميعا يخرجنا عن البحث التفسيري . . إلا أننا سنكتفي بما يلي:
وجاء في حديث عن الحسين بن علي ( عليه السلام ) أنه قال: سألت أبي أمير المؤمنين
عن رسول الله كيف كان سيرته في جلسائه ؟ فقال: كان دائم البشر ، سهل الخلق ،
لين الجانب ، ليس بفظ ، ولا غليظ ولا صخاب ، ولا فحاش ، ولا عياب ، ولا مداح ،
يتغافل عما لا يشتهي ، فلا يؤيس منه ولا يخيب فيه مؤمليه ، قد ترك نفسه من
ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه ، وترك الناس من ثلاث كان لا يذم أحدا ولا
يعيره ، ولا يطلب عثراته ولا عورته ولا يتكلم إلا في ما رجا ثوابه ، إذا تكلم أطرق