(وليتق الله ربه) في أن لا يكتم من الحق شيئاً وفي أداء الحق عند حلول الأجل من غير مماطلة ولا جحود، بل يعامله المعاملة الحسنة كما أحسن ظنه فيه، وفيه مبالغات من حيث الإتيان بصيغة الأمر الظاهرة في الوجوب، والجمع بين ذكر الله والرب وذكره عقب الأمر بأداء الدين، وفيه من التحذير والتخويف ما لا يخفى.
(ولا تكتموا الشهادة) نهي للشهود أن يكتموا ما تحملوه من الشهادة إذا دعوا لإقامتها وهو في حكم التفسير لقوله (ولا يضار كاتب) أي لا يضارِر بكسر الراء الأولى على أحد التفسيرين المتقدمين (ومن يكتمها) يعني الشهادة (فإنه آثم) أي فاجر (قلبه) خص القلب بالذكر لأن الكتم من أفعاله ولكونه رئيس الأعضاء وهو المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد كله.
وإسناد الفعل إلى الجارحة التي تعمله أبلغ، وهو صريح في مؤاخذة الشخص بأعمال القلب، وارتفاع القلب على أنه فاعل أو مبتدأ وآثم خبره على ما تقرر في علم النحو، ويجوز أن يكون قلبه بدلاً من آثم، بدل البعض من
الكل، ويجوز أيضاً أن يكون بدلاً من الضمير الذي في آثم الراجع إلى من. وقرئ قلبه بالنصب كما في قوله إلا من سفه نفسه (والله بما تعملون عليم) فيه وعيد وتحذير لمن كتم الشهادة ولم يظهرها، ويقال لهذه الآية آية الدين.
وأخرج البخاري في تاريخه وأبو داود وغيرهما عن أبي سعيد الخدري أنه قرأ هذه الآية، وقال هذه نسخت ما قبلها.
(وأقول) رضي الله عن هذا الصحابي الجليل، ليس هذا من باب النسخ فهذا مقيد بالائتمان وما قبله ثابت محكم لم ينسخ، وهو مع عدم الائتمان. وعن سعيد ابن المسيب أنه بلغه أن أحدثَ القرآن بالعرش آية الدين، وعن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا وآية الدين.