ومجموعة هذه الروايات تصور الحالة النفسية التي قبلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وواجهها مواجهة من يدرك أنها حالة قاهرة لا جدوى من استنكارها وقسر المرأة على العشرة ؛ وأن لا خير فِي عشرة هذه المشاعر تسودها. فاختار لها الحل من المنهج الرباني الذي يواجه الفطرة البشرية مواجهة صريحة عملية واقعية ؛ ويعامل النفس الإنسانية معاملة المدرك لما يعتمل فيها من مشاعر حقيقية.
ولما كان مرد الجد أو العبث ، والصدق أو الاحتيال ، فِي هذه الأحوال.. هو تقوى الله ، وخوف عقابه. جاء التعقيب يحذر من اعتداء حدود الله:
{تلك حدود الله فلا تعتدوها. ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} ..
ونقف هنا وقفة عابرة أمام اختلاف لطيف فِي تعبيرين قرآنيين فِي معنى واحد ، حسب اختلاف الملابستين:
في مناسبة سبقت فِي هذه السورة عند الحديث عن الصوم. ورد تعقيب: {تلك حدود الله فلا تقربوها} .. وهنا فِي هذه المناسبة ورد تعقيب: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} ..
في الأولى تحذير من القرب. وفي الثانية تحذير من الاعتداء.. فلماذا كان الاختلاف؟
في المناسبة الأولى كان الحديث عن محظورات مشتهاة:
{أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم.. هن لباس لكم وأنتم لباس لهن.. علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ، فتاب عليكم وعفا عنكم ، فالأن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم. وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. ثم أتموا الصيام إلى الليل ، ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فِي المساجد.. تلك حدود الله فلا تقربوها} ..
والمحظورات المشتهاة شديدة الجاذبية. فمن الخير أن يكون التحذير من مجرد الاقتراب من حدود الله فيها ، اتقاء لضعف الإرادة أمام جاذبيتها إذا اقترب الإنسان من مجالها ووقع فِي نطاق حبائلها!