يتربصن بأنفسهن.. لقد وقفت أمام هذا التعبير اللطيف التصوير لحالة نفسية دقيقة.. إن المعنى الذهني المقصود هو أن ينتظرن دون زواج جديد حتى تنقضي ثلاث حيضات ، أو حتى يطهرن منها.. ولكن التعبير القرآني يلقي ظلالاً أخرى بجانب ذلك المعنى الذهني.. إنه يلقي ظلال الرغبة الدافعة إلى استئناف حياة زوجية جديدة. رغبة الأنفس التي يدعوهن إلى التربص بها ، والإمساك بزمامها ، مع التحفز ، والتوفز. الذي يصاحب صورة التربص. وهي حالة طبيعية ، تدفع إليها رغبة المرأة فِي أن تثبت لنفسها ولغيرها أن إخفاقها فِي حياة الزوجية لم يكن لعجز فيها أو نقص ، وأنها قادرة على أن تجتذب رجلاً آخر ، وأن تنشئ حياة جديدة.. هذا الدافع لا يوجد بطبيعته فِي نفس الرجل ، لأنه هو الذي طلق ؛ بينما يوجد بعنف فِي نفس المرأة لأنها هي التي وقع عليها الطلاق.. وهكذا يصور القرآن الحالة النفسية من خلال التعبير ؛ كما يلحظ هذه الحالة ويحسب لها حساباً..
يتربصن بأنفسهن هذه الفترة كي يتبين براءة أرحامهن من آثار الزوجية السابقة ؛ قبل أن يصرن إلى زيجات جديدة:
{ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فِي أرحامهن ، إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} ..
لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فِي أرحامهن من حمل أو من حيض.. ويلمس قلوبهن بذكر الله الذي يخلق ما فِي أرحامهن ، ويستجيش كذلك شعور الإيمان بالله واليوم الآخر. فشرط هذا الإيمان ألا يكتمن ما خلق الله فِي أرحامهن.. وذكر اليوم الآخر بصفة خاصة له وزنه هنا. فهناك الجزاء.. هناك العوض عما قد يفوت بالتربص ، وهناك العقاب لو كتمن ما خلق الله فِي أرحامهن ، وهو يعلمه لأنه هو الذي خلقه ، فلا يخفى عليه شيء منه.. فلا يجوز كتمانه عليه - سبحانه - تحت تأثير أي رغبة أو هوى أو غرض من شتى الأغراض التي تعرض لنفوسهن.
هذا من جهة. ومن الجهة الأخرى ، فإنه لا بد من فترة معقولة يختبر فيها الزوجان عواطفهما بعد الفرقة.