فغاية ما في هذه الروايات عن أمهات المؤمنين الثلاث أنهن يروين هذا الحرف هكذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس فيه ما يدل على تعيين الصلاة الوسطى أنها الظهر أو غيرها، بل غاية ما يدل عليه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى أنها غيرها لأن المعطوف غير المعطوف عليه.
وهذا الاستدلال لا يعارض ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم ثبوتاً لا يدفع أنها العصر كما قدمنا بيانه.
فالحاصل أن هذه القراءة التي نقلها أمهات المؤمنين الثلاث بإثبات قوله"وصلاة العصر"معارضة بما أخرجه ابن جرير عن عروة قال: كان في مصحف عائشة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر.
وأخرج وكيع عن حميدة قالت قرأت في مصحف عائشة والصلاة الوسطى صلاة العصر، وفي الباب روايات.
فهذه الروايات تعارض تلك الروايات باعتبار التلاوة ونقل القراءة، ويبقى ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التعيين صافياً عن شوب كدر المعارضة.
على أنه قد ورد ما يدل على نسخ تلك القراءة التي نقلتها حفصة وعائشة وأم سلمة فأخرج عبد بن حميد ومسلم وأبو داود في ناسخه وابن جرير والبيهقي عن البراء بن عازب قال: نزلت حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله ثم نسخها الله فأنزل (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) فقيل له هي إذاً صلاة العصر قال: قد حدثتك كيف نزلت وكيف نسخها الله والله أعلم.
إذا تقرر لك هذا وعرفت ما سقناه تبين لك أنه لم يرد ما يعارض أن الصلاة الوسطى صلاة العصر.
وأما حجج بقية الأقوال فليس فيها شيء مما ينبغي الاشتغال به، لأنه لم
يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شيء، وبعض القائلين عوَّل على أمر لا يعوَّل عليه فقال: إنها صلاة كذا لأنها وسطى بالنسبة إلى أن قبلها كذا من الصلوات وبعدها كذا من الصلوات.
وهذا الرأي المحض والتخمين لا ينبغي أن تسند إليه الأحكام الشرعية على فرض عدم وجود ما يعارضه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكيف مع وجود ما هو في أعلى درجات الصحة والقوة والثبوت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.