ولو جاء بكل ما يمكن أن يعتذر به وهو جمع معذرة على غير قياس، كالمناكير جمع منكر، فقياسه معاذر، وذلك أولى.
سبب النزول: نزول الآية (3 - 4) :
أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ ..:
روي أن عدي بن ربيعة قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
يا محمد حدّثني عن يوم القيامة متى يكون أمره؟ فأخبره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك، ولم أومن به، أو يجمع الله هذه العظام بعد بلاها؟! فنزلت.
وقيل: نزلت في أبي جهل كان يقول: أيزعم محمد (صلّى الله عليه وسلّم) أن يجمع الله هذه العظام بعد بلاها وتفرّقها، فيعيدها خلقا جديدا؟!
التفسير والبيان:
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ، وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ أي أقسم بيوم القيامة، وأقسم بالنفس اللوّامة وهي التي تلوم صاحبها على تقصيره، لتبعثن، وقد حذف جواب القسم، لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ. وهي نفس المؤمن، تلوم على ما فات وتندم، فتلوم على الشر لم تعمله، وعلى الخير لماذا لم تستكثر منه.
والقسم بشيء لتعظيمه وتفخيمه، ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وفي الإقسام بيوم القيامة على وقوع يوم القيامة مزيد تقرير وتأكيد لوقوعه، فإن
الإقسام بالمعدوم لا يعقل معناه، وفي ضم النفس اللوّامة إليه تنبيه على أن الغرض من القيامة: هو إظهار أحوال النفس ومراتبها في السعادة وضدّها. والصحيح أنه أقسم بهما جميعا معا، كما قال قتادة رحمه الله، أي أنه سبحانه سيجمع العظام، ثم يحيي كل إنسان، ليحاسبه ويجزيه.
قال الحسن البصري: إن المؤمن، والله ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديث نفسي، وإن الفاجر يمضي قدما وقدما ما يعاتب نفسه. وقال أيضا: ليس أحد من أهل السموات والأرضين إلا يلوم نفسه، يوم القيامة.
وقال سعيد بن جبير: سألت ابن عباس عن قوله: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ قال: يقسم ربك بما شاء ممن خلقه.
وقال الفرّاء: ليس من نفس محسنة أو مسيئة إلا وهي تلوم نفسها فالمحسن يلوم نفسه أن لو كان ازداد إحسانا، والمسيء يلوم نفسه ألا يكون ارعوى عن إساءته.