وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ أَقْوَى السُّبُلَ عِنْدَهُ وَأَحَبُّهَا إِلَيْهِ. وَلَيْسَ كَوْنُهُ وَكَلَ الْأُمُورَ إِلَى نَفْسِهِ بِمُنَافٍ لِتَوَكُّلِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ، بَلْ هَذَا تَحْقِيقُ كَوْنِ الْأُمُورِ كُلِّهَا مَوْكُولَةً إِلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ وَتَحَقَّقَهُ مَعْرِفَةً صَارَتْ حَالُهُ التَّوَكُّلَ - قَطْعًا - عَلَى مَنْ هَذَا شَأْنُهُ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا مَوْكُولَةٌ إِلَيْهِ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْهَا. فَهُوَ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنَ اعْتِمَادِهِ عَلَيْهِ. وَتَفْوِيضِهِ إِلَيْهِ. وَثِقَتِهِ بِهِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ:
مِنْ جِهَةِ فَقْرِهِ، وَعَدَمِ مِلْكِهِ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ.
وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِ الْأَمْرِ كُلِّهِ بِيَدِهِ وَإِلَيْهِ.
وَالتَّوَكُّلُ يَنْشَأُ مِنْ هَذَيْنِ الْعِلْمَيْنِ.
(فائدة)
من اشْتغل بِاللَّه عَن نَفسه كفاه الله مؤونة نَفسه.
وَمن اشْتغل بِاللَّه عَن النَّاس كَفاهُ الله مؤونة النَّاس.
وَمن اشْتغل بِنَفسِهِ عَن الله وَكله الله إِلَى نَفسه.
وَمن اشْتغل بِالنَّاسِ عَن الله وَكله الله إِلَيْهِم.
(فائدة)
قوله تعالى: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}
فما من مخلوق إلا وقد جعل الله له قدرا يخصه، والقدر يكون علميا ويكون عينيا.
فالأول هو التقدير العلمي وهو تقدير الشيء في العلم واللفظ والكتاب، كما يقدر العبد في نفسه ما يريد أن يقوله ويكتبه ويفعله فيجعل له قدرا.
ومن هذا تقدير الله سبحانه لمقادير الخلائق في علمه وكتابه قبل تكوينها، ثم كونها على ذلك القدر الذي علمه وكتبه.
فالقدر الإلهي نوعان:
أحدهما: في العلم والكتابة.
والثاني: خلقها وبرأها وتصويرها بقدرته التي بها يخلق الأشياء.
والخلق يتضمن الإبداع والتقدير جميعا.
والمقصود أن كل موجد فله قدر، والعباد لا يقدرون الخالق قدره، والكفار منهم لا يقدرونه حق قدره، ولهذا لم يذكر ذلك سبحانه إلا في حقهم قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام 91] .
[فصل: التَّوَكُّلُ]