وجزم {وَأَكُنْ} على موضع {فَأَصَّدَّقَ} لأنه على معنى: إن أخرتني أصدق وأكن من الصالحين، ومن قرأ (وأكونَ) : فهو على لفظ فأصدق وأكون. قال المبرد: من قرأ (وأكون) فعلة ما قبله لأن {فَأَصَّدَّقَ}
جواب للاستفهام الذي فيه التمني، وهو قوله: {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي} أي: هلا أخرتني، والجزم على موضع الفاء لأن الفاء دخلت على شيء لو لم يكن فيه لكان مجزومًا ولم يتغير المعنى فكأنه لولا أخرقني إلى أجل قريب أصدق وأكن. وأنشد سيبويه أبياتًا كثيرة في العمل على الموضع منها قوله:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا.
ومنه قول لبيد:
فإن لم نجد من دون عدنان والدًا ... ودون معدا فلترعك العوازل
فنصب دون معد على الموضع، لأن من زائدة، وزاد أبو علي شرحًا وبيانًا فقال: {وَأَكُنْ} عطفًا على موضع قوله: {فَأَصَّدَّقَ} لأنه في موضع فعل مجزوم، ألا ترى أنك إذا قلت: أخرني أصدق، كان جزمًا بأنه جواب الجزاء، وقد أغنى السؤال عن ذكر الشرط، والتقدير: أخرني فإن تؤخرني أصدق، فلما كان الفعل المنتصب بعد الفاء في موضع فعل مجزوم بأنه جزاء الشرط حمل قوله: {وَأَكُنْ} هو عليه، وأنشد الأئمة في وجه هذه القراءة قول الشاعر:
فَأَبْلُونيِ بَلَّيُكُمْ لَعَلِّي ... أصالحِكُمْ وأستدرجْ نَوَتَّا
حمل وأستدرج على موضع الفاء المحذوفة وما بعدها من لعلّي. وأما قراءة أبي عمرو (وأكونَ) فإنه حمله على اللفظ دون المعنى، وكان الحمل على اللفظ أولى لظهوره في اللفظ وقربه.
ثم أخبر الله تعالى أنه لا يؤخر من انقضت مدته وحضر أجله فقال: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا} أي عند الموت {إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} قال عطاء: أي لو رد إلى الدنيا ما زكى ولا حج، ويكون هذا كقوله: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} والمفسرون على أن هذا خطاب شائع لكل عامل عمل خيرًا أو شرًّا.