قلت: وهذا هو الصواب إن قوله"إن الله قد طلقك"إن أراد به شرع طلاقك وأباحه لم يقع.
وإن أراد أن الله قد أوقع عليك الطلاق وأراده وشاءه، فهذا يكون
طلاقا لأن ضرورة صدقة أن يكون الطلاق واقعا، وإذا احتمل الأمرين فلا يقع إلا بالنية.
(فائدة)
قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}
قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَخْرَجًا مِنْ كُلِّ شِدَّةٍ، وَهَذَا جَامِعٌ لِشَدَائِدِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَضَايِقِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لِلْمُتَّقِي مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَخْرَجًا، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَخْرَجًا مِمَّا نَهَاهُ عَنْهُ.
(فائدة)
وقد روى ابن ماجه وابن أبي الدنيا عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال:
"لَوْ عَمِلَ النَّاسُ كُلُّهمْ بِهذِهِ الآية لَوَسِعَتْهُمْ"
(فصل)
اعلم أن من اتقى الله في طلاقه، فطلق كما أمره الله ورسوله، وشرعه له. أغناه عن ذلك كله، ولهذا قال تعالى، بعد أن ذكر حكم الطلاق المشروع: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} .
فلو اتقى الله عامة المطلقين لاستغنوا بتقواه عن الآصار والأغلال، والمكر والاحتيال، فإن الطلاق الذي شرعه الله سبحانه: أن يطلقها طاهراً من غير جماع، ويطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضى عدتها. فإن بدا له أن يمسكها في العدة أمسكها، وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها أمكنه أن تستقبل عليها من غير زوج آخر، وإن لم يكن له فيها غرض لم يضره أن تتزوج بزوج غيره، فمن فعل هذا لم يندم، ولم يحتج إلى حيلة بزوج ولا تحليل.
ولهذا سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مائة؟
فقال:"عصيت ربك، وفارقت أمرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجاً".
وقال سعيد بن جبير:"جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إني طلقت أمرأتي ألفا، فقال: أما ثلاث فتحرم عليك أمرأتك، وبقيتهن وزر، اتخذت آيات الله هزوا".
وقال مجاهد:"كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا. فسكت، حتى ظننت أنه رادّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس، وإن الله تعالى قال: {وَمَنْ يَتَّق اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} "