قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا - فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: 1 - 2] إِلَى قَوْلِهِ: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطَّلَاقِ: 1 - 3]
فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْأَزْوَاجَ الَّذِينَ لَهُمْ عِنْدَ بُلُوغِ الْأَجَلِ الْإِمْسَاكُ وَالتَّسْرِيحُ بِأَنْ لَا يُخْرِجُوا أَزْوَاجَهُمْ مِنْ بُيُوتِهِمْ، وَأَمَرَ أَزْوَاجَهُنَّ أَنْ لَا يَخْرُجْنَ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ إِخْرَاجِ مَنْ لَيْسَ لِزَوْجِهَا إِمْسَاكُهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ لِهَؤُلَاءِ الْمُطَلَّقَاتِ أَحْكَامًا مُتَلَازِمَةً لَا يَنْفَكُّ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَزْوَاجَ لَا يُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُنَّ لَا يَخْرُجْنَ مِنْ بُيُوتِ أَزْوَاجِهِنَّ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ لِأَزْوَاجِهِنَّ إِمْسَاكَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَتَرْكَ الْإِمْسَاكِ، فَيُسَرِّحُوهُنَّ بِإِحْسَانٍ.
وَالرَّابِعُ: إِشْهَادُ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَهُوَ إِشْهَادٌ عَلَى الرَّجْعَةِ إِمَّا وُجُوبًا وَإِمَّا اسْتِحْبَابًا، وَأَشَارَ سُبْحَانَهُ إِلَى حِكْمَةِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ فِي الرَّجْعِيَّاتِ خَاصَّةً بِقَوْلِهِ: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}
وَالْأَمْرُ الَّذِي يُرْجَى إِحْدَاثُهُ هَاهُنَا: هُوَ الْمُرَاجَعَةُ.
هَكَذَا قَالَ السَّلَفُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا أبو معاوية عَنْ داود الأودي عَنِ الشَّعْبِيِّ: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}
قَالَ: لَعَلَّكَ تَنْدَمُ فَيَكُونَ لَكَ سَبِيلٌ إِلَى الرَّجْعَةِ.