وقال الشيخ محمد سيد طنطاوي:
(وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(10)
ثم وجه - سبحانه - أمره إلى نبيه صلّى الله عليه وسلّم، بأن يرشد المؤمنين إلى وجوب تحاكمهم إلى شريعته - تعالى - إذا ما دب خلاف بينهم، أو بينهم وبين أعدائهم، فقال: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ.
أي: عليكم أيها المؤمنون - إذا ما اختلفتم في أمر من الأمور، أن تحتكموا فيه إلى شريعة الله - عز وجل - ، وأن تقبلوا عن إذعان وطاعة حكمه - تعالى - .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا .. .
واسم الإشارة في قوله - سبحانه -: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ يعود إلى الله - تعالى - الذي يجب أن يكون التحاكم إليه وحده عند الاختلاف.
أي: ذلك الحاكم العادل الذي لا حاكم بحق سواه رَبِّي وخالقي ورازقي ..
عَلَيْهِ وحده تَوَكَّلْتُ واعتمدت في جميع شئونى وَإِلَيْهِ أُنِيبُ أي: وإليه وحده أرجع في كل أمورى.
فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي هو خالقهما وموجدهما على غير مثال سابق، من فطر الشيء إذا ابتدعه واخترعه دون أن يسبق إلى ذلك.
جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً أي: جعل لكم - سبحانه - بقدرته من جنس أنفسكم أزواجا، أي: نساء تجمع بينكم وبينهن المودة والرحمة، كما قال - تعالى -: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً.
وقوله - سبحانه -: وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً معطوف على ما قبله. أي: كما خلق لكم من أنفسكم أزواجا، خلق - أيضا - للأنعام من جنسها إناثا، ليحصل التوالد والتناسل والتعمير لهذا الكون.
وقوله - تعالى - يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ بيان للحكمة من هذا الجعل والخلق للأزواج.