وبينت الآيات الكريمة أن الفرقة التي آل إليها أمر أهل الملل والأديان إنما جاءت بعد العلم بالدين الواحد والملة المتحدة، وأن سبب الفرقة بين الملل ليس نابعا من أصل الدين الصحيح، وإنما هو ناشئ عن تأثير الأغراض والشهوات، التي سيطرت على أتباع الديانات، فالفرقة من صنع الناس لا من وحي الدين، {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} ، كما بينت الآيات الكريمة أن الشك الذي يوجد عند (أهل الكتاب) ممن عاصروا عهد الرسالة المحمدية، والحيرة التي تتجلى في مواقفهم المتناقضة من الإسلام، يعود الأمر فيهما إلى ما ورثوه عن أسلافهم في الدين، من خلافات واختلافات، أدت بهم إلى الشك في نفس الكتب التي أنزلت عليهم، نظرا لما أصابها من التحريف والتأويل والتدليس، {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} .
ويخاطب الحق سبحانه وتعالى رسوله، محصنا له من أهواء المشركين، وأهل الكتاب المختلفين المتفرقين، داعيا إياه إلى
التمسك بالدعوة، والقيام بحقها، والاستقامة عليها، مذكرا بجوهر الدعوة وأساسها المتين، ألا وهو الإيمان بالله وبكتبه، وإقامة العدل بين خلقه، {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} ، وهذا الخطاب موجه إلى كل مؤمن ومؤمنة، ولا سيما ولاة المسلمين وعلماءهم، وقوله تعالى في نفس السياق: {لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} معناه أننا برآء من كل ما خالف دعوة الإسلام، على غرار قوله تعالى في آية أخرى (41: 10) : {أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} .