وكذلك قوله لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} ، فأضاف الرميَ إلى نبي الله، ثم نفاه عنه، وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي، إذ كان جل ثناؤه هو الموصل المرميَّ به إلى الذين رُمُوا به من المشركين، والمسيِّب الرمية لرسوله.
فيقال للمنكرين: ما ذكرنا قد علمتم إضافة الله رَمْيِ نبيه - صلى الله عليه وسلم - المشركين إلى نفسه، بعد وصفه نبيَّه به، وإضافته إليه، وذلك فعلٌ واحد، كان من الله تسبيبه وتسديده، ومن رسول الله"- صلى الله عليه وسلم - الحذفُ والإرسال، في تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة من الله الإنشاء والإنجاز بالتسبيب، ومن الخلق الاكتسابُ بالقُوى؟ فلن يقولوا في أحدهما قولًا إلا ألزموا في الآخر مثله، وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل."
قال ابن تيمية: إن قوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} ، لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ هُوَ فِعْلُ اللهَ تَعَالى - كما تَظُنُّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الغالطين - فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَال لِكُلٍّ أَحَدٍ حَتَّى يُقَال لِلْمَاشِي: مَا مَشَيْت إذْ مَشَيْت وَلَكِنَّ الله مَشَى وَيُقَال لِلرَّاكِبِ: وَمَا رَكِبْت إذْ رَكِبْت وَلَكِنَّ الله رَكِبَ وَيُقَال لِلْمُتكلِّمِ: مَا تَكَلَّمْت إذْ تَكَلَّمْت وَلَكِنَّ الله تَكَلَّمَ وَيُقَال مِثْلُ ذَلِكَ لِلْآكِلِ وَالشَّارِبِ وَالصَّائِمِ وَالمُصَلِّي وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَطَرْدُ ذَلِكَ: يَسْتَلْزِمُ أَنْ يُقَال لِلْكَافِرِ مَا كَفَرْت إذْ كَفَرْت وَلَكِنَّ الله كَفَرَ وَيُقَال لِلْكَاذِبِ مَا كَذَبْت إذْ كَذَبْت وَلَكِنَّ الله كَذَبَ. وَمَنْ قَال مِثْلَ هَذَا: فَهُوَ كَافِرٌ مُلْحِدٌ خَارِجٌ عَنْ الْعَقْلِ وَالدِّينِ.