قال البغوي: قوله تعالى: (وَمَكَرُوا) يعني كفار بني إسرائيل الذي أحس عيسى منهم الكفر، وبَرُّوا في قتل عيسى - عَلَيْهِ السَّلَام -، وذلك أن عيسى - عَلَيْهِ السَّلَام - بعد إخراج قومه إياه وأمه عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله، وتواطؤوا على الفتك به فذلك مكرهم قال الله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} فالمكر من المخلوقين: الخبث والخديعة والحيلة، والمكر من الله: استدراج العبد وأخذه بغتة من حيث لا يعلم كما قال: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] ، وقال الزجاج: مكر الله -عَزَّ وَجَلَّ- مجازاتهم على مكرهم فسمي الجزاء باسم الابتداء؛ لأنه في مقابلته كقوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15] {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] ومكر الله تعالى خاصة بهم في هذه الآية، وهو إلقاؤه الشَبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى - عَلَيْهِ السَّلَام - حتى قتل.
وقال أيضًا: وجملته: أنَّ أسماء الله تعالى على التوقيف؛ فإنه يسمى جوادًا ولا يسمى سخيًا، وإن كان في معنى الجواد، ويسمى رحيمًا ولا يسمى رفيقًا، ويسمى عالمًا ولا يسمى عاقلًا، وقال تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] وقال: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54] ، ولا يقال في الدعاء: يا مخادع، يا مكار؛ بل يدعى بأسمائه التي ورد بها التوقيف على وجه التعظيم، فيقال: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا عزيز، يا كريم ونحو ذلك.
وقال الشيخ السعدي: قال تعالى هما (ومكروا) أي: الكفار بإرادة قتل نبي الله، وإطفاء نوره (ومكر الله) بهم جزاء لهم على مكرهم (والله خير الماكرين) رد الله كيدهم في نحورهم، فانقلبوا خاسرين.