4 -ثم بيّن سبحانه عظمته وكبرياءه وحكمته فقال: {لَهُ} سبحانه لا لغيره {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ؛ أي: إن الله سبحانه وتعالى يختص به جميع ما في العوالم العلوية والسفلية، خلقًا وملكًا وعلمًا، ذكر سبحانه هذا الوصف لنفسه، وهو ملك جميع ما في السماوات والأرض لدلالته على كمال قدرته، ونفوذ تصرفه في جميع مخلوقاته {وَهُوَ} سبحانه وتعالى {الْعَلِيُّ} ؛ أي: الرفيع الشأن {الْعَظِيمُ} الملك والقدرة والحكمة، أو هو العلي؛ أي: المرتفع عن مدارك العقول، إذ ليس كذاته ذات، ولا كصفاته صفات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، وهو العظيم الذي يصغر عند ذكره وصف كل شيء سواه، والعظيم من العباد، الأنبياء والعلماء الوارثون لهم، فالنبي عظيم في حق أمته، والأستاذ عظيم في حق تلميذه، وإنما العظيم المطلق، هو الله سبحانه وتعالى.
والخلاصة: أي إن ما في السماوات والأرض تحت قبضته، وفي ملكه، وله التصرف فيه إيجادًا وإعدامًا، وهو المتعالي فوقه، العظيم عن مماثلته {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
5 - {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ} ؛ أي: تقرب السماوات يتشققن من عظمة وخشية وهيبة الإله الذي {مِنْ فَوْقِهِنَّ} ؛ أي: فوق السماوات بالألوهية والقهر والعظمة والقدرة، والتفطر التشقق، قال الضحاك والسدي: يتشققن من عظمة الله وجلاله من فوقهن. وقيل: المعنى: تكاد كل واحدة تتفطر فوق التي تليها من قول المشركين: اتخذ الله ولدًا، وقيل: من فوقهن من فوق الأرضين، والأول أولى، ومن في قوله: من فوقهن لابتداء الغاية؛ أي: يبتدئ التفطر من جهتهن الفوقانية إلى جهتهن التحتانية.
ووجه تخصيص جهة الفوق، أنها أقرب إلى أعظم الآيات، وأدلها على القدرة الباهرة من العرش والكرسي وصفوف الملائكة المرتجة بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل حول العرش، وما لا يعلم كنهه إلا الله من آثار الملكوت العظمى، فكان المناسب أن يكون تفطر السماوات مبتدأ من تلك الجهة، بأن يتفطر أولًا أعلى السماوات ثم إلى أن ينتهي إلى أسفلها، بأن لا تبقى سماء إلا سقطت على الأخرى.