وقوله تعالى: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7] تفريق بعد الجمع في قوله: {وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ} [الشورى: 7] والتفريق بعد الجمع أسلوب آخر من أساليب القرآن، وهناك الجمع والتفريق والتقسيم.
ومن ذلك قوله سبحانه:
{يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [هود: 105] هذا جمع
{فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105] هذا تفريق، ثم يقسم ويُفصِّل القول في كل فريق:
{فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 106 - 108] .
لكن لماذا هذا التفريق {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7] قالوا: لأن الحق سبحانه خلق الخَلْق وخيَّرهم حين عرض عليهم الأمانة، وهي أمانة التكليف في قوله تعالى:
{إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72] .
يعني: تركنا لهم حرية الاختيار لحمل الأمانة فأشفقتْ كل المخلوقات من حملها، فاختارت أنْ تكون مُسيَّرة يتصرف فيها ربها كيف شاء إلا الإنسان والجن، فقد اختار حمل الأمانة.
{إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً} [الأحزاب: 72] أي: لنفسه {جَهُولاً} بالعواقب، لأنه قد تضمن نفسك ساعة التحمل، لكنك لا تضمن ساعة الأداء، فقد تحُول ظروفك بينك وبين أداء الأمانة، فلأن الإنسانَ اختار حملَ الأمانة واختار الاختيار كان لا بدَّ أنْ يسأل عن أمانته، وأنْ يحاسب عليها، أحفِظَ أم ضيَّع، وكان لا بدَّ له من دار جزاء وحساب، ففريق في الجنة وفريق في السعير.
{وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}