لقد رأى سيد قطب في كتابه (التصوير الفني في القرآن) أن يكشف عن أوجُه التناسق الفني التي تبلغ في التصوير القرآني ذُروَتَها - ومِمّا اهتدَى في الكشف عنه مِمّا تدخل فيه الدلالة الصوتية كعنصر أساسيّ:
2 -2 - 1 - 1 - تخيُّر الألفاظ
وهو التنسيق في تأليف العبارات بتخيُّر الألفاظ، ثمّ نظمها في نسق خاصّ من التأليف، وصولاً إلى أرقَى درجات الفصاحة - وقد اعترف سيد قطب بأنّ مَن سبقوه قد أكثروا من القول فيه، وبلَغوا غاية مداه ( [85] ) - إمّا ما جاء هو به فتحديده لقيمة اللفظ القرآني في كونه «يرسم الصورة، تارةً بجرسه الذي يُلقيه في الأذن، وتارةً بظلِّه الذي يُلقيه في الخيال، وتارةً بالجرس والظلّ معاً» ( [86] ) - ويضرب لكلٍّ من هذه الأنواع الثالثة أمثلةً وشواهد قرآنية ما سُبق إليها -
ومن الألفاظ التي ترسم صورة الموضوع وتدلّ عليه بجرسها الذي تُلقيه في الأذن: لفظة (لَيُبَطِّئنَّ) في قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا) [النساء:72] فيقول إنك لتقرأ هذه اللفظة من هذه الآية «فترتسم صورة التبطئة في جرس العبارة كلِّها وفي جرس"لَيُبَطِّئَنَّ"خاصةً - وإنّ اللِّسان ليكاد يَتَعثّر، وهو يتخبَّط فيها، حتى يصل بِبُطءٍ إلى نهايتها» ( [87] ) -
ومن الألفاظ التي ترسم صورة الموضوع بظلِّها الذي تُلقيه في الخيال لفظة (انسلخ) في قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا) [الأعراف:175] «فالظلّ الذي تُلقيه كلمة"انْسَلَخَ"يرسم صورةً عنيفةً للتمَلُّص من هذه الآيات، لأنّ الانسلاخ حركة حسِّية قوية» ( [88] ) -