ويُلمِّح الرافعي قبل أن يُنهي بحثه هذا إلى أهمية الحركات أو الأصوات القصيرة الصرفية والنحوية في تشكيل صور الحروف وصفاتها باعتبارها تمثل مظاهر الكلمات ( [77] ) ، لذا تناول الحديث عنها في المبحث التالي -
2 -1 - 1 - 2 - الكلمات وحروفها
بعد أن أزاحَ الرافعي الستارَ عن الجانب الصوتي المعجز في القرآن انتقل إلى بناء الألفاظ التي تقوم على اجتماع الحروف بعضها إلى بعض - فدرس الكلمات من ثلاثة جوانب:
الجانب الأول: صوت النفس: دَرَسَ فيه دلالة الكلمة باعتبار حقيقتها الوضعية والتي يرى أنها «صوت النفس؛ لأنها تلبس قطعةً من المعنى فتختصّ به على وجه المناسبة قد لحِظته النفس فيها من أصل الوضع حين فُصِّلت الكلمة على هذا التركيب» ( [78] ) - وهو مبحث قديم سبقَت الإشارة إليه من قبل الخليل وسيبويه وابن جني وغيرهم -
الجانب الثاني: صوت العقل: وقصد به الصوت المعنوي وما يشتمل عليه جملة الكلام من الوجوه البيانية التي يُداوَر بها المعنى -
الجانب الثالث: صوت الحسّ: وهو تفاوت الجمل في دقة التصوير «والابداع في تلوين الخطاب، ومجاذبة النفس مرّةً وموادَعَتها مرّةً، واستيلائه على مَحضها بما يورد عليها من وجوه البيان، أو يسوق إليها من طرائف المعاني» ( [79] ) -
وعندما يتحدّث عن الحركات القصيرة ودورها في إيفاء الألفاظ لمعانيها يقول الرافعي: «ولو تدبّرتَ ألفاظ القرآن في نظمها، لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرَى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة - - - حتى إنّ الحركة ربما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيّها كان، فلا تعذُب ولا تُساغ - - - فإذا هي استُعملت في القرآن رأيتَ لها شأناً عجيباً، ورأيتَ أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقاً في اللسان، واكتنفَتْها بضروب من النّغَم الموسيقيّ حتى إذا خرجتْ فيه كانت أعذبَ شيءٍ وأرقّه» ( [80] ) -