وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وهذه الوجوه السابقة مجتمعة تؤكد الحاجة الأساسية لإرسال الرسل حتى يقوموا بتحقيق هذه الغايات.
المبحث الثاني: لماذا كان الرسل من البشر؟
1 -إن البشر أقدر على القيادة والتوجيه، وهم الذين يصلحون قدوة وأسوة، وهذه الحكمة تظهر حين التأمل في رسالة أي رسول منهم.
2 -صعوبة رؤية الملائكة نسبة لاختلاف طبيعة الملائكة وطبيعة البشر؛ إذ الاتصال بالملائكة فيه عناء وجهد شديدين لا يحتمله جميع البشر، فقد جاء في الحديث إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يعاني من التنزيل شدة، وكان إذا نزل عليه الوحي تغير لونه، وتصبب عرقه، وارتعدت فرائصه، وكان من حوله يرون ذلك فيه، فكان إرسالى الرسل من البشر ضروريًا كي يتمكنوا من مخاطبتهم، والفقه عنهم والاختلاط بهم، ولو أرسل الله ملائكة لما أمكنهم ذلك.
3 -إن الرسالة تقوم على تكليف المرسل إليهم ودعوتهم لامتثال ما يأمرهم به الرسول، فلو كان الرسول من الملائكة لأمكن الناس أن يحتجوا بعدم قدرتهم على هذه التكاليف نسبة لاختلاف طبيعة اللك المرسل؛ إذ يرون أنهم لا يستطيعون تحمل تلك التكاليف؛ لأنها لا تناسب طبيعتهم، لذا قال الله تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95) } [الإسراء: 94، 95] .
المبحث الثالث: وظائف الرسل:
لقد اصطفى الله تعالى رسله للقيام بوظائف محددة باعتبارهم سفراء الله تعالى إلى عباده وحملة وحيه وتتمثل هذه الوظائف في الآتي: