من غير ذكر الفاء دالا على اتصال هذه الجملة بما قبلها مندرجة تحتها لا تباين بينهما، ومجيء الفاء دليل الانفصال فيبطله ونظيره قوله تعالى: (اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ) [سورة الحج: 1] وقوله: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ) [سورة يونس: 55] وغير ذلك وإذا أريد التقاطع بين الجملتين جاءت الفاء كقوله تعالى: (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [سورة هود: 115] وقوله تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا) [سورة الطور: 48] إلى غير ذلك.
وجاء بـ «أو» في قوله (أَوْ يُوبِقْهُنَ) دلالة على التخيير، لأن المعنى إن نشأ نبتل المسافرين بأحد بليتين، إما ركود السفن على ظهر الماء لأجل سكون الريح، وإما باشتداد العصف في الريح، فيحصل الإهلاك لهن، وجاء بالواو في (وَيَعْفُ)
دون «أو» دلالة على سعة الرحمة بالعفو عن كثير من الذنوب.
فانظر ما أحسن موقع «أو» هناك وما أعجب موقع «الواو» هنا، ولنقتصر على ما ذكرناه من الآي القرآنية، فإنه لا مطمع لأحد في حصر عجائب القرآن ولطائف أسراره، فإن في بحره غرقت عقول العقلاء، وتضاءلت دون الإحاطة بمعانيه أفكار الحكماء.
(فائدة)
قوله تعالى: (وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ) لم يقل الفلك لما في الجري من الإشارة إلى باهر القدرة، حيث أجراها بالريح، وهي أرق الأشياء وألطفها، فحركت ما هو أثقل الأمور وأعظمها في الجرم، وقال: (فِي الْبَحْرِ)
ولم يقل في الطّمطام، ولا في العباب وإن كانت كلها من أسماء البحر، لكون البحر أسهل وأسلس، ثم قال: (كَالْأَعْلامِ)