ثم عفا عن سيئاتهم وصفح ... ومحا ما سلف ... وهو العليم بما يفعلون.
أي تعبير يقوم مقامه في إلقاء ما ألقى من ظلال الطمأنينة والراحة .... ثم عفا عما سلف.
اللَّه أكبر .... فضل الله بلا حساب .... بلا حدود ... بلا قيود .... إنها أرقى درجات المنح والسخاء وبعدُ. فعلينا أن نطلب وجه التأويل في هذه الحروف لنعرف كيف المأخذ فيما يرد علينا منها في هذا النظم البديع، ونتحاشى سبيل من غضَّ من نفاستها حين رماها للتعاور والتناوب.
(وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ...(45)
ذكر السيوطي: (مِنْ) بمعنى (الباء) وكذلك ابن هشام والزركشي.
وذكر أبو حيان: قال السدي وقتادة: المعنى يُسارقون النظر لما كانوا فيه من الهم وسوء الحال لا يستطيعون النظر بجميع العين وإنما ينظرون من بعضها فيجوز على هذا التأويل أن يكون الطرف مصدرا أي من نظر خفي.
ويجوز أن يكون (مِنْ) بمعنى (الباء) .
وروى القرطبي: وقال يونس: (مِنْ) بمعنى (الباء) أي ينظرون بطرف خفي من الذل والخوف.
وذكر الآلوسي: وقال ابن عباس: خفي: ذليل، وقيل: يحشرون عميا فلا ينظرون إلا بقلوبهم وذاك نظر من طرف خفي وهو تأويل متكلف.
وروى ابن مالك في التسهيل عن الأخفش أن يونس قال: إنها بمعنى الباء.
أقول: ولعل تضمين (نظر) معنى (غضَّ) المتعدي بـ (مِن) يكشف لنا عن سر استبدال الحرف، ويصرفنا عن القول بالتعاور والتناوب، ويصور لنا ذلهم يوم العرض فطرفهم كسير، مشفقون من ذل الموقف، غضيض طرفهم، خاشعون من الذل، مطرقون من الخوف مع اليأس مما ينتظرهم من ألوان العذاب الأليم ومن سوء المصير.
كانوا هم الطغاة البغاة، فتهاوت كبرياؤهم، وانهارت قواهم من رؤية جهنم، خاشعين لا من حياء وخجل بل من ذلة وهوان. فـ (مِنْ) هذه هي التي صرفت النظر من معنى الحياء: ينظرون بطرف خفي، إلى الغضاضة، معنى الذل والهوان (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) يفضون صورة شاخصة قميئة، توحي باليأس والانهيار مع التطلع إلى أي بارقةٍ للخلاص، ساعةً تلاشى عندها الزمن كشف التضمين عن قباحتها في الطرف الغضيض الذليل الكسير والنظر الحسير. انتهى انتهى {التضمين النحوي في القرآن الكريم، للدكتور/ محمد نديم فاضل} ...