الرابعة: قوله تعالى: {وَلاَ تَحْنَثْ} دليل على أن الاستثناء في اليمين لا يرفع حكماً إذا كان متراخياً.
وقد مضى القول فيه في"المائدة"يقال: حنث في يمينه يحنث إذا لم يَبرّ بها.
وعند الكوفيين الواو مقحمة أي فاضرب لا تحنث.
الخامسة: قال ابن العربي: قوله تعالى: {فاضرب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} يدل على أحد وجهين: إما أن يكون أنه لم يكن في شرعهم كفارة ، وإنما كان البرّ والحِنث.
والثاني أن يكون صدر منه نذر لا يمين ، وإذا كان النذر معيَّناً فلا كفارة فيه عند مالك وأبي حنيفة.
وقال الشافعي: في كل نذر كفارة.
قلت: قوله إنه لم يكن في شرعهم كفارة ليس بصحيح ؛ فإن أيوب عليه السلام لما بقي في البلاء ثمان عشرة سنة ، كما في حديث ابن شهاب ، قال له صاحباه: لقد أذنبت ذنباً ما أظنّ أحداً بلغه.
فقال أيوب صلى الله عليه وسلم: ما أدري ما تقولان ، غير أن ربي عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتزاعمان فكل يحلف بالله ، أو على النفر يتزاعمون فأنقلب إلى أهلي ، فأكفر عن أيمانهم إرادة ألاّ يأثم أحد يذكره ولا يذكره إلا بحق فنَادَى ربه.
{أَنِّي مَسَّنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين} [الأنبياء: 83] وذكر الحديث.
فقد أفادك هذا الحديث أن الكفارة كانت من شرع أيوب ، وأن من كفّر عن غيره بغير إذنه فقد قام بالواجب عنه وسقطت عنه الكفارة.
السادسة: استدل بعض جهّال المتزهدة ؛ وَطَغام المتصوّفة بقوله تعالى لأيوب:"ارْكُضْ بِرِجْلِكَ"على جواز الرقص.
قال أبو الفرج الجوزي: وهذا احتجاج بارد ؛ لأنه لو كان أمر بضرب الرجل فرحاً كان لهم فيه شبهة ، وإنما أمر بضرب الرجل لينبع الماء.