17 -ولما بلغ الكفار في السفاهة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغاية، إذ قالوا: إنه ساحر كذاب، وقالوا: ربنا عجل لنا قطنا .. أمره الله سبحانه وتعالى بالصبر على سفاهتهم، فقال: {اصْبِرْ} يا محمد {عَلى ما يَقُولُونَ} ؛ أي: على ما يقوله كفار قومك لك مما تكره من مقالاتهم الباطلة، التي من جملتها، قولهم في تعجيل العذاب: {رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ...} إلخ. فإنا ممتحنوك بالمكاره، كما امتحنا سائر من أرسلنا من قبلك، ثم عاجلوا الظفر لك على من كذبك وشاقك سنتنا في الرسل، الذين أرسلناهم إلى عبادنا من قبلك، وهذه الآية منسوخة بآية السيف.
ثم شرع في ذكر قصص لجملة من الأنبياء: كداود، وسليمان، وأيوب، وغيرهم، والقصد به تسليته - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي: اذكر ما حصل لهم من المشاق والمحن، فصبروا حتى فرّج الله عنهم، فصارت عاقبتهم أحسن عاقبة، فكذلك أنت تصبر، ويؤول أمرك إلى أحسن مآل، اهـ «نهر» .
قصص داود عليه السلام
{وَاذْكُرْ} يا محمد من الذكر القلبي؛ أي: تذكر بقلبك، أو من الذكر اللساني؛ أي: واذكر لقومك قصة داود؛ أي: وتذكر يا محمد {عَبْدَنا} المخصوص بعنايتنا القديمة {داوُدَ} بن ايشا، من سبط يهودا بن يعقوب عليه السلام، بينه وبين موسى عليه السلام، خمس مائة وتسع وستون سنة، وقام بشريعة موسى، وعاش مائة سنة. {ذَا الْأَيْدِ} ؛ أي: صاحب القوة في الدين القائم بمشاقه وتكاليفه. وفي «الكواشي» : ويجوز أن يراد القوة في الجسد والدين، انتهى.
والمعنى: اذكر قصته، فإنك تجد فيها ما تتسلى به؛ أي: تذكر قصته ومن نفسك عن أن تترك ما كلفت به من مصابرتهم، وتحمل أذاهم، لئلا يلقاك من المعاتبة مثل ما وقع لداود. اهـ «أبو السعود» .
واعلم: أنه تعالى ذكر أولًا قوة داود في أمر الدين، ثم زلته بحسب القضاء الأزلي، ثم توبته بحسب العناية السابقة، وأمره - صلى الله عليه وسلم - بتذكر حاله، وقوته في باب الطاعة، ليتقوى على الصبر، ولا يزل عن مقام استقامته، وتمكينه كما زل قدم داود، فظهرت المناسبة بين المسندين، واتضح وجه عطف و {اذْكُرْ} على {اصْبِرْ} .