وقوله تعالى: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} . معناه: وأَجرينا له معدن النحاس بعد إذابته - كما ألنَّا الحديد لداود - فسال ونبع كما ينبع الماءُ من العين، فلذلك سمى عين القطر باسم ما آل إِليه، وكانت الأعمال تتأَتى به وهو بارد، ولم يلن ولا ذاب لأَحد قبله: {وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} أي: ومن الجن فريق يعمل بين يدي سليمان بإذن الله وأَمره كما ينبيءُ عنه قوله تعالى: {وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا} أي: ومن يخرج من الجن عما أمرناهم به من طاعة سليمان والعمل بأَوامره وإرشاداته {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} : أَي: نصله يوم القيامة ألوانًا من عذاب جهنم جزاءً وفاقًا لخروجه على أَمرنا، فالمقصود بالعذاب عذاب الآخرة، وفي هذا دلالة على أَن الجن مكلفون كالبشر.
وعن الحسن قال: الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤُلاء وهؤُلاءِ مؤْمنون، وهم شركاءُ في الثواب والعقاب. ومن كان من هؤلاء وهؤُلاء مؤْمنًا فهو ولي الله - تعالى - ومن كان كافرًا فهو شيطان.
هذا وفي قوله تعالى: {بِإِذْنِ رَبِّهِ} بذكر لفظ الرب، وقوله: عن أَمرنا بالإضافة إلى الضمير لمحة لطيفة؛ لأَن لفظ الرب ينبيءُ عن الرحمة، فناسب ذكره عند الإشارة إلى حفظ سليمان كما ناسب عند الإشارة إلى تعذيب الجن ذكر ضمير العظمة الموجب لزيادة الخوف.
13 - {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} :
هذه الآية تفصيل لما يقوم به الجِن من الأَعمال لسليمان - عليه السلام -.
والمعنى: يعمل هؤُلاء الجن لسليمان ما يشاءُ عمله من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات.
والمحاريب جمع محراب، وهي قصور حصينة، ومساكن شريفة، ومنازل شاهقة سميت بذلك لأَنه يحارب غيره لحمايتها، وقيل: هي صدور المجالس.
قال المبرد: لا يسمى محرابًا إلا ما يرتقى إليه بدرج، وقيل: هي المساجد.