وقال الشوكاني: في نيل الأوطار ، بعد أن ساق الأحاديث ، التي ذكرنا في عدم وجوب العمرة ما نصه: قال الحافظ: ولا يصح من ذلك شيء ، وبهذا تعرف أن الحديث من قسم الحسن لغيره ، وهو محتج به عند الجمهور ، ويؤيده ما عند الطبراني: عن أبي أمامة مرفوعاً"من مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة ، ومن مشى إلى صلاة غير مكتوبة ، فأجره كعمرة"إلى أن قال والحق عدم وجوب العمرة ، لأن البراءة الأصلية ، لا ينتقل عنها إلا بدليل يثبت به التكليف ، ولا دليل يصلح لذلك ، لا سيما مع اعتضاده بما تقدم من الأحاديث القاضية: بعدم الوجوب ، ويؤيد ذلك اقتصاره صلى الله عليه وسلم على الحج في حديث"بني الإسلام على خمس"واقتصار الله جل جلاله على الحج في قوله: {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} [آل عمران: 97] انتهى محل الغرض منه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن ما احتج به كل واحد من الفريقين ، لا يقل عن درجة الحسن لغيره ، فيجب الترجيح بينهما ، وقد رأيت الشوكاني: رجح عدم الوجوب بموافقته للبراءة الأصلية ، والذي يظهر بمقتضى الصناعة الأصولية: ترجيح أدلة الوجوب ، على أدلة عدم الوجوب وذلك من ثلاثة أوجه:
الأول: أن أكثر أهل الأصول يرجحون الخبر الناقل عن الأصل: على الخبر المبقي على البراءة الأصلية ، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار المدلول:
وناقل ومثبت والآمر... بعد النوهي ثم هذا الآخر
على إباحة.. الخ.
لأن معنى قوله: وناقل أن الخبر الناقل عن البراءة الأصلية مقدم على الخبر المبقي عليها. وعزاه في شرحه المسمى: نشر البنود للجمهور ، وهو المشهور عند أهل الأصول.
الثاني: أن جماعة من أهل الأصول: رجحوا الخبر الدال على الوجوب ، على الخبر الدال على عدمه. ووجه ذلك: هو الاحتياط في الخروج من عهدة الطلب ، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود المذكور آنفاً: