فالجواب: أن قول الزمخشري بإفادة لن: التأبيد يجب رده ، لأنه يقصده به استحالة رؤية الله تعالى يوم القيامة زاعماً أن قوله لموسى: {لَن تَرَانِي} [الأعراف: 143] تفيد فيه لفظة: لن تأبيد النفي ، فلا يرى الله عنده أبداً لا في الدنيا ، ولا في الآخرة. وهذا مذهب معتزلي معروف باطل ترده النصوص الصحيحة في القرآن والأحاديث الصحيحة الكثيرة التي لا مطعن في ثبوتها. وقد بينا مراراً أن رؤية الله تعالى بالأبصار: جائزة عقلاً في الدنيا والآخرة. ولو كانت ممنوعة عقلاً في الدنيا لما قال نبي الله موسى {رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] لأنه لا يجهل المحال في حق خالقه تعالى ، وأنها ممنوعة شرعاً في الدنيا ثابتة الوقوع في الآخرة ، وإفادة لن التأبيد التي زعمها الزمخشري في الآية تردها النصوص الصحيحة الصريحة في الرؤية في الآخرة ، ولا ينافي ذلك أن تفيد لن: التأبيد في موضع لم يعارضها فيه نص.
وبالجملة فقد اختلف أهل العربية في إفادة لن تأبيد النفي حيث لم يصرف عنه صارف ، وعدم إفادتها لذلك ، فعلى القول: بأنها تفيد التأبيد فقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة"ولن تجزئ عن أحد بعدك"يدل على تأبيد نفي الإجزاء ، كما ذكرنا وعلى عدم اقتضائها التأبيد ، فلا تقل عن الظهور فيه ، حتى يصرف عنه صارف ، وبذلك كله تعلم: أن الجمع بين حديث أبي بردة ، وحديث عقبة بن عامر ، كالمتعذر فيجب الترجيح ، وحديث أبي بردة أرجح.
والعلم عند الله تعالى.
وهذا الذي ذكرنا في هذا الفرع هو حاصل كلام أهل العلم في السن التي تجزئ في الضحايا.