ومما يؤيد أن الأمر في الآية يدل على وجوب الأكل وتأكيده"أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر مائة من الإبل فأمر بقطعة لحم من كل واحدة ، منها فأكل منها وشرب من مرقها"وهو دليل واضح على أنه أراد ألا تبقى واحدة ، من تلك الإبل الكثيرة إلا وقد أكل منها أو شرب من مرقها ، وهذا يدل على أن الأمر في قوله: {فَكُلُواْ مِنْهَا} ليس لمجرد الاستحباب والتخيير ، إذ لو كان كذلك لاكتفى بالأكل من بعضها ، وشرب مرقه دون بعض ، وكذلك الإطعام فالأظهر فيه الوجوب.
والحاصل: أن المشهور عند الأصوليين: أن صيغة أفعل: تدل على الوجوب إلا لصارف عنه ، وقد أمر بالأكل من الذبائح مرتين ، ولم يقم دليل يجب الرجوع إليه صارف عن الوجوب وكذلك الإطعام ، هذا هو الظاهر بحسب الصناعة الأصولية ، وقد دلت عليها أدلة الوحي ، كما قدمنا إيضاحه.
وقال أبو حيان في البحر المحيط: والظاهر وجوب الأكل والإطعام وقيل باستحبابهما. وقيل: باستحباب الأكل ، ووجوب الإطعام. والأظهر أنه: لا تحديد للقدر الذي يأكله والقدر الذي يتصدق به ، فيأكل ما شاء ويتصدق بما شاء ، وقد قال بعض أهل العلم: يتصدق بالنصف ، ويأكل النصف ، واستدل لذلك بقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ البآئس الفقير} قال: فجزأها نصفين نصف له ، ونصف للفقراء ، وقال بعضهم: يجعلها ثلاثة أجزاء ، يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ، ويهدي الثلث ، واستدل بقوله تعالى:
{فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر} [الحج: 36] فجزأها ثلاثة أجزاء ، ثلث له ، وثلث للقانع ، وثلث للمعتر. هكذا قالوا وأظهرها الأول ، والعلم عند الله تعالى ، والبائس: هو الذي أصابه البؤس ، وهو الشدة. قال الجوهري في صحاحه: وبئس الرجل بيأس بؤساً وبئساً: اشتدت حاجته ، فهو بائس وأنشد أبو عمرو:
لبيضاء من أهل المدينة لم تذق... بئيساً ولم تتبع حمولة مجحد