قال في المغني: وبهذا قال الثوري وابن القاسم صاحب مالك ، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: عليه الإعادة ، لأنه لم يوصف الحق إلى مستحقه ، فأشبه ما لو لم يذبحه. ولنا أنه أدى الواجب عليه ، فبرئ منه كما لو فرقه. ودليل أنه أدى الواجب: أنه لم يبق إلا التفرقة ، وليست واجبة ، بدليل أنه لو خلى بينه ، وبين الفقراء أجزأه. ولذلك لما نحر النَّبي صلى الله عليه وسلم البدنات قال:"من شاء اقتطع"انتهى محل الغرض من المغني.
وأظهر القولين عندي: أنه لا تبرأ ذمته بذبحه: حتى يوصله إلى المستحقين ، لأن المستحقين إن لم ينتفعوا به ، لا فرق عندهم بين ذبحه وبين بقائه حياً ، ولأن الله تعالى يقول {وَأَطْعِمُواْ البآئس الفقير} [الحج: 28] ويقول {وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر} [الحج: 36] الآيتان تدلان على لزوم التفرقة ، والتخلية بينه ، وبين الفقراء يقتسمونه تفرقة ضمنية ، لأن الإذن لهم في ذلك ، وهو متيسر لهم كإعطائهم إياه بالفعل والعلم عند الله تعالى.
وقول من قال: إن الهدي المذكور إن تعيب في الطريق فعليه نحره ، ونحر هدي آخر غير معيب لا يظهر كل الظهور ، إذ لا موجب لتعدد الواجب عليه وهو لم يجب عليه إلا واحد. وحجة من قال بذلك: أنه لما عينه متقرباً به إلى الله لا يحسن انتفاعه به بعد ذلك ، ولو لم يجزئه.
وأما الواجب المعين بالنذر ، كأن يقول: نذرت لله إهداء هذا الهدي المعين ، فالظاهر أنه يتعين بالنذر ، ولا يكون في ذمته ، فإن عطب أو سرق: لم يلزمه بدله ، لأن حق الفقراء إنما تعلق بعينه ، لا بذمة المهدي. والظاهر أنه ليس له الأكل منه سواء عطب في الطريق أو بلغ محله.