الوجه الثاني: أن سنة النَّبي الثابتة عنه من فعله ، ومفهوم قوله: بينت أن هذا الحكم ، لا يتعلق بأول الغاية ، وإنما يتعلق بآخرها وهو الإحلال الأول: لأنه لم ينحر هدي تمتع ، ولا قران إلا بعد رمي جمرة العقبة ، وفعله فيه البيان الكافي للمراد من الغاية التي يترتب عليها {فَمَا استيسر مِنَ الهدي} [البقرة: 196] والله يقول {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر} [الأحزاب: 21] الآية ففعله مبين لقوله {فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج فَمَا استيسر مِنَ الهدي} لأنه ذبح عن أزواجه المتمتعات يوم النحر ، وأمر أصحابه المتمتعين بذلك ، وخير ما يبين به القرآن بعد القرآن السنة ، والله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] الآية ، وهو صلى الله عليه وسلم يبين المناسك بأفعاله ، موضحاً بذلك المراد من القرآن ، ويقول:"لتأخذوا عني مناسككم".
الثالث: أنه لو جاز له ذبحه قبل يوم النحر ، لجاز الحلق قبل يوم النحر ، وذلك باطل فالحلق لا يجوز ، حتى يبلغ الهدي محله. كما هو صريح القرآن ، والحلق لم يجز قبل يوم النحر ، فالهدي لم يبلغ محله قبل يوم النحر ، وهو واضح كما ترى ، ولذا لم يأذن صلى الله عليه وسلم في حجته ، لمن ساق هدياً أن يحل ويحلق ، وإنما أمر بفسخ الحج في العمرة من لم يسق هدياً ، ولا شك أن ذلك عمل منه بقوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] .